| طباعة |  البريد الإلكترونى
تهويد القدس على ضوء عملية 23 مارس / مولاي أحمد صبير الإدريسي

هل كانت القدس في حاجة إلى عملية نوعية كالتي وقعت يوم 23 مارس 2011 في إحدى محطات الحافلات من أجل أن تجذب إليها أنظار العالم من جديد؟ وهل أحسنت المقاومة اختيار الزمان والمكان لرفع رسالتهم إلى الكيان الصهيوني أولا، وإلى العالم من حولهم ثانيا؟ وهل كان الصهاينة في حاجة إلى هذه العملية من أجل أن يتأملوا في تبعات ما يدبرونه هناك منذ سنوات؟
لقد اجتهد الكيان الصهيوني منذ 1967 في جعل القدس بؤرة لمخططهم الاستيطاني، وحددوا منذ عقود العام 2010 سنة تهويد القدس، وسخروا من أجل ذلك آلة رهيبة بعضها أكاديمي وبعضها سياسي وبعضها الآخر سكاني فضلا عن الآلة العسكرية التي كانت ولازالت آلة مركزية في هذا المخطط منذ الاحتلال... ولأن القدس حشرت في الزاوية منذ 1967، ولأن سكانها افتقدوا دوما إلى الدعم والنصرة، ولأن العرب والمسلمين كانوا طيلة هذه العقود في شغل دائم لا ينقضي، فإن الآلة الصهيونية بالمقابل راكمت إنجازا كبيرا، وحققت  تقدما رهيبا في مسلسل تهويد هذه المدينة المقدسة يمكن تتبع معالمه كما يلي:
1 / أكاديميا:  قد يستغرب المتتبع عند الوقوف على حقيقة بداية مسعى التهويد الذي انطلق منذ 1865 في لندن بمؤسسة ظاهرها علمي أكاديمي وباطنها سياسي، ونظرا لأهمية هذه المؤسسة، فقد تم ربطها فيما بعد مباشرة برئيس الوزراء، وانصب اهتمامها على أن تتماهي أسماء الأماكن الجغرافية في مدينة القدس مع ما ورد في توراتهم المحرفة، وليتوج هذا العمل بإصدار كتاب من 438 صفحة، تم فيه تهويد أكثر من 9000 إسم جغرافي كانت كلها أسماء عربية.
2 / سياسيا:
شكل قرار الصهاينة اتخاذ القدس عاصمة لكيانهم انجازا بالغ الأهمية لدى المجتمع الإسرائيلي، واعتبرت هذه الخطوة بمثابة محطة حاسمة في طي آخر الملفات العصية على الإنجاز، وقد اشتغلت الآلة الصهيونية في ذلك على واجهتين:
الواجهة الدولية: وذلك بحشد الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني، والعمل على الإفشال التدريجي لتمسك الجانب الفلسطيني بشعار الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
الواجهة الداخلية: وذلك بخلق حالة من الارتياح لدى المجتمع الصهيوني بمسار التهويد، وبسط السيطرة المطلقة على القدس وخاصة ما تعلق من إجراءات بخصوص المدينة القديمة.
إلا أن أحداثا توالت في الآونة الأخيرة، أفقدت المجتمع الإسرائيلي الثقة في قدرة الدولة على الاستمرار، وأعادت درجة الشك لدى المستوطنين الغاصبين إلى درجة الصفر، وخاصة بعد الهزيمة في حربي لبنان وغزة اللتين عمقتا لديهم حالة التوجس من مستقبل هذا الكيان، فلم يجد حينها القادة الإسرائيليون سوى التنافس في إرضاء الناخبين الإسرائيليين وخاصة فئة المتدينين، الذين لا شيء أجدى في استمالتهم وكسب أصواتهم من التنافس على تهويد القدس، الذي أصبح نقطة مضيئة في البرامج الانتخابية، ومعيارا حاسما لمدى جديتها ومصداقيتها. فكانت النتيجة انعكاس هذا التنافس على الأرض في شكل هجمةٍ تهويديّة غير مسبوقةٍ، طالت كلّ شيءٍ في المدينة بدءًا بمقدّساتها وسكانها وأرضها وحتى هويّتها الثقافيّة وطرازها المعماريّ.
3 / عسكريا وأمنيا:
سوق الكيان الصهيوني وعلى مدى سنوات نجاح النظرية الأمنية داخل مدينة القدس، سواء على مستوى تعزيز القدرات الأمنية داخل المدينة، والتي تترجمها الإجراءات المصاحبة لصلاة الجمعة والتراويح والأعياد، أو الترويج لـــ " إخفاق المقاومة " في الوصول إلى القدس منذ أكثر من سبع سنوات، أو النجاح في تأمين دخول مجموعات صهيونية صغيرة إلى الحرم القدسي...
4 / سكانيا: فعل الصهاينة سلاح سحب الهويات بشكلٍ كبير، واستثمروه كوسيلة ناجعةٍ للتخلص من أكبر عددٍ ممكن من سكان القدس الأصليين، وتم العمل على إعادة رسم حدود بلدية مدينة القدس، وإخراج تجمعات فلسطينية منها بشكل نهائي، وتسارعت وثيرة بناء الوحدات السكنية شرق المدينة، مقابل تقنين رخص البناء للفلسطينيين.
هذه معالم نسوقها مختزلة لنقدم صورة عما أقترفه الكيان الصهيوني على أرض المدينة المقدسة، ولنلفت النظر إلى ما ينتظر هذه المدينة من طمس تدريجي متعمد ومحبوك لمعالمها، مما يستوجب دق ناقوس الخطر للتنبيه إلى ما يتهددها.
وإذا كانت العملية الأخيرة قد أعادت ملف القدس  مرة أخرى إلى الواجهة، فإن عودته هذه لا تعني بحال من الأحوال أن الكيان الصهيوني مستعد ليرفع يده عنها، أو يعيد النظر فيما سبق أن قرره بخصوص تهويدها، لكن إذا كنا نسلم بذلك، فإننا، بالمقابل نؤمن إيمانا جازما أن  هذه العملية خلقت حالة واسعة من  القلق لدى جانب كبير من مستوطني القدس، وجعلتهم على حافة الإفلاس النفسي نتيجة الرعب والهلع، وحالة اللاأمن التي من الممكن أن يعيشوها في رحاب هذه المدينة المقدسة، كما أن  بإمكانها أن تؤخر أو ـ على الأقل ـ أن تعيق الإيقاع المتسارع لعملية التهويد هذه، وتجعل المسجد الأقصى في مأمن ـ ولو إلى حين ـ من المكر الذي ينتظره.
يمكن القول أيضا بأنها عملية ناجحة بكل المقاييس، سواء من حيث المكان والزمان، أو من حيث الأسلوب، أو من حيث التداعيات والنتائج، ومستوى الإرباك الذي خلفته على مستوى أجندة حكومة الكيان الصهيوني، إنها بحق عملية تترجم قدرة المقاومة على امتلاك زمام المبادرة، وخلق حالة من توازن الرعب. إنها معطيات تجعلنا نفهم " ضبط النفس " الذي أبدته الحكومة الصهيونية التي أصبحت تؤمن إيمانا جازما أن دخول غزة لم يعد نزهة كما كانت تراها من قبل، وأن تهويد القدس لا يمكن أن يمر بالسلاسة التي كانوا يتوهمونها.
Comments
أضف جديد
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

تاريخ آخر تحديث ( الخميس, 31 مارس/آذار 2011 12:38 )
 
جديد المقالات