
لا زالت وسائل الإعلام العالمية تتفاعل مع خبر حصول الناشط الحقوقي الصيني " ليو شياو " على جائزة نوبل للسلام لسنة 2010، ولا شك أن هذا التفاعل سيعمر طويلا، نظرا لكون هذا الاختيار يعيد إلى الأذهان مرة أخرى نفس الأسئلة التي تثار كلما تم الإعلان عن نتائج هذا الصنف من جائزة نوبل.
ولأن المقام لا يسمح باستعراض مسيرة عقود من تاريخ صنف هذه الجائزة العالمية، فإن الوقوف عند بعض المحطات ذات الصلة بالشرق الأوسط ودول المحور المعادي للغرب، تمكن المتتبع من الإمساك بخيط رفيع يبرر الفلسفة التي تقوم عليها هذه الاختيارات، وتحدد معالم الحسم في هذا الصنف، مما لا يدع مجالا للشك أن الغرب بمؤسساته الاستكبارية العابرة للقارات، وبحرصه الدائم على تعزيز مواقعه وحماية "مصالحه " لا يفوت فرصة تمكنه من فرض رؤاه وخياراته وتصوراته، وتعزيز مواقعه المتقدمة في سائر المجالات الاستراتيجية التي تبقي نفوذه قائما، سواء على المستوى الاقتصادي أوالعسكري أوالسياسي أو الإعلامي، وحتى العلمي والأكاديمي، إلا وانخرط فيها بثقله، وجيش من أجلها ترساناته الإعلامية والمالية والديبلوماسية، وإن اقتضى الأمر العسكرية أيضا.
نوطيء بهذه الإضاءة، في سياق الحديث عن معايير اختيار المعارض الصيني " ليو شياو" فائزا بجائزة نوبل للسلام لسنة 2010، هذا الاختيار بررته الجهة المانحة بأن " ليو يستحق هذه الجائزة لكفاحه الطويل والسلمي من أجل حقوق الانسان في الصين". لنحتفظ إذا بمبرر محطة 2010، ولنعد أدراجنا إلى محطات خلت، كي نتتبع فلسفة الاختيار هذه، ونقف تحديدا عند " السادات 1978 " و " عرفات 1994 " و " شيرين عبادي " 2003، وسنجد في هذه المحطات الأربع ـ وبدون عناء ـ أن هناك خيطا رفيعا يتمثل في أن " المكرمين " من منطقة الشرق الأوسط " السادات و عرفات "، تم الاحتفاء بهما لأنهما كسرا مألوفا في إطار الصراع مع الكيان الصهيوني، في حين أن " عبادي و شياو " اختيرا بعناية بالغة زمانا ومكانا من دولتين " مارقتين " تنتميان " لمحور الشر" الرافض للهيمنة الأمريكية واستكبارها.
لقد تم تكريم السادات سنة 1978 بعد توقيعه على اتفاقية " كامب ديفيد " التي أخرجت مصر ـ وما أدراك ما مصرـ من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، ومهدت الطريق أمام مسلسل الهرولة والتطبيع وما تلا ذلك من انفراط العقد وتراجع في الموقف العربي بشأن قضية الأقصى وفلسطين.
أما عرفات 1994 فهي الطبعة الثانية من محطة السادات، إذ تم " تتويج " عرفات بمعية بيريز ورابين بعد قبوله قرارمجلس الأمن الدولي 242 وتوقيعه على اتفاقية أوسلو، ولا يخفى على متتبع ما ترتب عن " منعطف أوسلو" الذي أتى على البقية الباقية من الصمود والرفض العربيين، وما تلاه من تراجعات لا زال الشعب الفلسطيني يعيش تبعاتها حتى اليوم.
أما شيرين عبادي 2003 فقد تسلمت الجائزة في ظروف سياسية محتقنة، كان الغرب حينها يبحث عن كل ما يمكن أن يساهم في عملية الضغط على إيران، ويذكر المتتبعون ما تناقلته بعض الصحف أن "عبادي" حينها لم تكن معروفة لدى شريحة واسعة من الشعب الإيراني، فكيف بها تصبح بقدرة قادر رمزا عالميا؟ لقد كان تكريمها في نظر العديد من المتتبعين للشأن الإيراني يندرج في سياق إذلال إيران ومحاولة عزلها ضمن دول محور الشر الذي أبدعه الرئيس الأمريكي بوش. محور الشر هذا، هو المحور نفسه الذي تم ضمنه إدراج الصين التي لم يعد الغرب يخفي انزعاجه من سرعة انعتاقها وقدرتها الخارقة على مزاحمة أمريكا ودول الغرب في عقر دارها فضلا عن هزمها في باقي دول العالم التي استأثر الغرب بخيراتها منذ عقود طويلة.
إن اختيار" ليو شياو " المعارض الصيني في هذا الظرف بالذات، يؤكد مرة أخرى اليد الطولى لأمريكا والغرب في مسار هذه الجائزة التي أصبحت تحكمها فلسفة ليست بالضرورة هي نفسها التي وضعها المؤسس " الفريد نوبل "، ولم تعد أمريكا والغرب يستنكفان من توظيف هذه الفلسفة لحماية مصالحهما. إن الغرب بزعامة أمريكا لا يذخر جهدا من أجل عزل الخطر الأحمر الداهم الذي يزحف بثبات ويقضم بحزم وتؤدة من " كعكة " استمرأ الغرب حلاوتها منذ عقود، وعليه فإن عزل الصين غاية لا تحتاج إلى تبرير، والعمل على الحد من تمددها أمر لا مناص منه.
إن تكريم المعارض الصيني بهذه الجائزة في هذا الظرف بالذات، وقبله السادات وعرفات وعبادي، يفقد هذه الجائزة بعض مصداقيتها، ويسيء إلى روح مؤسسها، ويفت في عضد مناضلين آخرين لا يقل مسارهم النضالي عن مسار ليو شياو ومن سبقوه. ولأن المقام لا يتسع لعرض مسارات مناضلين عديدين لم تدرج أسماؤهم ولن تدرج ضمن قائمة المرشحين لهذه الجائزة، فإننا نقتصر على مسار مناضل فلسطيني قدم ولا زال من التضحيات من أجل وطنه أرضا وشعبا ومقدسات، ما يجعله محط اهتمام عالمي، واشتغل في صبر وإصرار لا يقل عن غيره من المناضلين العالميين من عيار "مانديلا " و " غاندي " و بيغوفيتش " وغيرهم كثير.
إنه الشيخ رائد صلاح الذي يقضي حكما بالسجن في ملف يعلم جلادوه وخصومه قبل محبيه ومناصريه أنه مفبرك وفارغ، وأمام هذا الوضع المسيء لجائزة عالمية من طينة جائزة نوبل، يحق لنا أن نتساءل:
ـ ما ضر الأكاديمية السويدية لو نظرت في سيرة هذا الرجل بعين غير التي تنظر بها عادة إلى ملفات من سبقوه من المتوجين من منطقة الشرق الأوسط وبلدان محور الشر والدول المارقة ؟
ـ ما ضرها لو عرضت مسار كفاحه من أجل حقوق شعبه، ما دام ملف " شياو" قد رجح بهذا المعيار؟
ـ ما ضرها لو عرضت حجم تضحياته من أجل مقدسات بلاده بروح عالية وتصور حضاري راق لا مجال فيه للتمييز بين ما هو مسيحي وإسلامي؟
ـ ما ضرها لو نظرت في أسلوب كفاحه السلمي القائم على الحجة والفكر والخطبة والكلمة والأنشودة وهو أسلوب لا يقل قبولا عند الغرب الراعي للجائزة، والمتوج لشياو لنفس الاعتبار؟
ـ ما ضرها لو قارنت بين قضية شياو وقضية رائد صلاح لتجد أن الأول في خلاف مع حكام من بني وطنه، فرقتهم السياسة واختلاف المرجعية والإيديولوجية والخلفية الفكرية، ولتجد أن الثاني في موطنه بين أهله، يكافح من أجل حرية شعبه، وفي خلاف مع مستعمر غاصب بإجماع المواثيق السماوية والأرضية؟
نسوق هذا الكلام لإقامة الحجة على عدم مصداقية هذا الصنف من جائزة نوبل، نسوقه ونحن على علم أن رائد صلاح لن تزيد هذه الجائزة ولن تنقص من قدره شيئا، لسبب بسيط أن رائد صلاح " متشبت بأرضه ما دام الزيتون والزعتر"، وأنه لن يساوم في هذا الوطن ولو" وضعوا الشمس في يمينه والقمر في يساره" فكيف بجائزة عبارة عن مبلغ مالي وميدالية ذهبية تحمل وجه ألفريد نوبل بالإضافة إلى شهادة تقديرية. فهل يستويان مثلا؟
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الثلاثاء, 19 أكتوبر/تشرين أول 2010 20:23 )
|