
كنت أسرع بالصعود على متن القطار، وأسرع أكثر في الاستيلاء على مقعد قبل أن يداهمني الزحام وأضطر لقضاء الرحلة واقفة في الممشى الضيق... ألهتني الأفكار المتضاربة في رأسي وكذا انشغالي بإتمام المقال الذي بين يدي عن النظر إلى من يجلسون من حولي... أحسست فجأة بأن أحدهم يرقبني في صمت، رفعت عيني إلى السيدة التي تجلس أمامي، كانت تحدق إلى الكوفية التي تتربع على كتفي ولمحت ابتسامة رائقة تنطبع على شفتيها... في الثلاثينات من عمرها، حلوة التقاسيم، بدت لي ملامحها غريبة عن البلد، أو هكذا انطبع عندي من نظرة خاطفة، ابتسمت في وجهها أنا الأخرى. عدت إلى المجلة التي كنت فتحتها على آخر الصفحات، و ابتلعتني السطور من فلسطين المسلمة ممهورة بتوقيع عزيز: لمى خاطر. أحسست بها تمد عنقها متطلعة إلى ما أقرؤه، و قالت على استحياء: - أحب كتاباتها. - مين لمى خاطر؟ أنا بمووت فيها.. وضحكنا سويا. - أنا اسمي مريم. - عاشت الأسامي، وأنا خولة. فابتهجت وأشرق وجهها وبدت السعادة تطل من عينيها: - مذ جلست هنا شممت فيك ريح الوطن. فلسطينية ما هيك؟ - سيدتي الكريمة، إن كنت تقصدين بفلسطين الحيز الجغرافي الذي يقبع في الضفة الأخرى للبحر المتوسط، فأنا بذلك أكون مغربية مئة بالمئة، وان كنت تقصدين فلسطين الconcept فأنا فلسطينية وبامتياز. بدت علامات الاستغراب على وجهها - حتى لكنتك توحي بذلك ضحكت وأجبتها بلغة أهل المغرب - وهذه أتقنها أكثر، لكني موقنة أنك فلسطينية. فضحكت من قولي وحدثتني عن عائلتها وكيف استقرت في المغرب بعد أن خرجوا من فلسطين، وعن تاريخ نضال أسرتها... ثم قالت: - والدي يقول عن نفسه الآن فتحاوي سابق، أما أنا فأميل إلى صف حماس. لم أدر ما مناسبة الموضوع، لكني وجدتها فرصة لأعرف عنها أكثر إذ لم تكن تلبس حجابا. - أفرحك إذا ما وقع في غزة؟ - يعني تستطيعين قول ذلك إلى حد ما... أنا لا أساند نهج حماس ولا أتبنى فكرها، وهذا واضح جدا، لكني لسبب ما أثق في رجالاتها ... - لعل تلك الثقة نابعة من كونك تعرفين عنهم الأمانة وصدق العهد.. - ربما هذا... - فما رأيك أن الفكر الذي يحملونه هو ما بث فيهم ما أعجبك فيهم وما يندر فيمن سواهم. رمقتني كمن يحاول قراءة ما بقي عالقا بين عقلي ولساني من كلمات - تتحدثين وكأنك منهم. - ليتني أكون منهم... رأت أنه من الأفضل تغيير الموضوع، فبادرتني بسؤال آخر: - أي المدن تعرفين من فلسطين؟ استظهرت عليها قائمة طويلة حتى اضطرت إلى مقاطعتي: - كأنك تعيشين هناك... حيرتني فعلا، ماذا كل هذا الحب؟ - لن أجيب عن سؤالك... وجوابي سيكون قاصرا عن تفسير السبب... أكتفي بأن أقول أنك تملكين الإجابة. ترقرقت دمعات في عينها رغم محاولتها ثنيها عن رغبتها في الانعتاق من بين مقلتيها ثم أخذت يدي بين يديها في حنان بالغ: - وكأننا في رحلة في قطار الشمال... - أحفظ قصيدة لأحد الشعراء عن هذا القطار... حدثتني عن بعض ما تذكره من كلام جدتها ووالديها، أحسست أنها تنتزع نفسها انتزاعا من وسط الذكريات لتجدني أرمقها في ذهول... - يا خولة، فلسطين أرض حنون، أكثر مما تتصورين، دافئة مفعمة بالحب والحياة... لا تري الدماء وحدها، لا يشغلك منظر الموت وأشباح الدمار عن رؤية ذلك بعينك الطيبة هذه... كنت أرى كل الشوق وآهات البعد الدفينة خلف كل كلمة تنطقها، آلمني العجز الذي يكبلها دون أن أعرف أسبابه، تمنيت لو أن هذا القطار يحيد عن مساره ويمضي بنا إلى هناك... استفقت من هواجسي لأهمس في أذنها: - هناك أرض بارك الله فيها، هناك حيث تولد الحياة من رحم الموت... كم أتمنى أن أرى بيارات الزيتون والرمان والحليان، وحقول السنابل تتناثر بين ربوعها أزهار الحنون... وأتمنى أكثر أن يعود إليها من أخرجوا منها مكرهين. ضمتني إليها، لم أكن من القوة بما يكفي لأصمد في هذا الموقف الغريب، فاضت دموعي وقاومت لألا يعلو مني صوت النحيب. لا أذكر كم بقينا على هذه الحال، إذ لم أتنبه إلا والمنبه ينبئ عن وصول القطار إلى مقصدي، أعطيتها قلما خطت به كلمات على المجلة... شكرتها باسمة، وهمست في أذنها: - لن يعيدها إلا رجال الله... ثقي بهم أكثر. - أخجلتني من نفسي... أعدك أن أفعل. ضحكنا معا..تبادلنا آخر تحية ونزلت من القطار. وقفت على الرصيف ألوح لتلك الغريبة التي شاركتني رحلتي، فتحت المجلة لأرى كلمات خطتها عليها: » إلى هذا القلب الفلسطيني... عديني أن تزورينا هناك متى استطعت « كان القطار يبتعد رويدا رويدا، آخذا معه ذلك الطيف الجميل، أدركت أنني أحببت تلك السيدة فعلا... لساني كان يهتف في ذهول: أعدك يا مريم..أعدك.
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الإثنين, 04 أكتوبر/تشرين أول 2010 13:43 )
|