|
|
العبور إلى غزة (الحلقة 12)/د. عبد القادر عمارة |

بعد الزيارة المؤثرة لأطلال مسجد الخلفاء الراشدين وأطلال بيت الشهيد نزار ريان عرجنا في طريق عودتنا إلى فندق غزة الدولي، على حي تل "الهوا"، أو بتعبير المرافقين لنا تل "الإسلام"، في هذا الحي توغلت قوات العدوان الصهيوني ظهر الخميس 15 يناير 2009 وقصفت مستشفى القدس التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، حيث اشتعلت النيران في أقسام منه، ولم يتسن لنا الدخول إليه لكن آثار القصف لا تزال بادية على واجهته. وقد طال القصف الصهيوني مستشفى تل الهوا الذي يقع وسط مدينة غزة، وأخبرنا المرافقون أنه إبان هذا التوغل استشهد من المجاهدين الذين تصدوا للقوات المعتدية مجاهدين "أحمد البيتار" وعاهد أبو عاصي. لقد كان واضحا أن القوات الصهيونية قصدت استهداف المستشفيات، وهي تعلم علم اليقين أن بها مرضى وجرحى وأطقم طبية وهي فئات لا يجوز بحال أن تتعرض للخطر أو الاعتداءات في العمليات العسكرية وفقا للقوانين الدولية.. لقد عاينا هذين المستشفيين وهما بارزان لا يمكن أن تخطئهما العين المجردة، بمعالمهما التي تدل على أنهما مؤسستين طبيتين فما بالك بالآليات المتطورة للرصد التي يتوفر عليها الجنود الصهاينة؟ ولكن مرة أخرى إنه الحقد يظلم قلوب الصهاينة فلا يترك فيها ذرة من الإنسانية.
أصر الإخوة على أن نأخذ قسطا من الراحة ونقف للغذاء. الحقيقة أننا لم نكن حريصين على ذلك بعد الذي رأيناه وعايناه من دمار وسمعناه من قصص الهمجية الصهيونية. إلحاح الإخوة المرافقين منبعه إصرارهم على القيام بواجب الضيافة وحرصهم على أن نشعر كضيوف لهم بكامل الراحة وهو ما حصل فعلا. لقد أخذنا مضيفونا إلى مطعم بشارع النصر بمنطقة تسمى "العافية"، حيث التحق بنا على مائدة الغذاء إخوة وأخوات آخرين من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، فاستثمرنا المناسبة للتباحث في مجمل الأمور التي ارتبطت بالعدوان الصهيوني على غزة وعلى الخصوص إلى أهمية ومنهجية وآليات توثيق جرائم الكيان الصهيوني. ونحن جلوس على مائدة الطعام كانت المفاجأة التحاق الأستاذ مجدي حسين المناضل المصري المعروف ورئيس حزب العمل بها، لقد اقبل علينا بابتسامته المعهودة وبروح الدعابة وهو لمن لا يعرفه سريع الدعابة وأذكر أنه مما قال لنا عندما بادرناه بالترحيب به في غزة كونه سعيد لأنه في هذه الأرض الطيبة قد افلت من خناق أجهزة المخابرات التي تحصي عليه أنفاسه..! وعندما سألناه كيف عبر إلى غزة والحال أن الشخصيات المصرية السياسية والجمعوية المعارضة ممنوعة من عبور معبر رفح أجاب بنفس روح الدعابة: البركة في الأنفاق. لقد تردد الأستاذ مجدي حسين مرارا وتكرارا على معبر رفح ولم يأل جهدا في محاولة إقناع السلطات المصرية بالسماح له بالعبور إلى غزة قياما بواجب النصرة لإخوانه الفلسطينيين، ولقد كان دائما يواجه بالرفض. والظاهر أنه لم يجد بدا من العبور تحت الأرض ما دام قد منع من العبور فوقها، وقد علمنا فيما بعد أن الأستاذ مجدي حسين توبع قضائيا بعد عودته من غزة وحوكم بتهمة العبور إلى غزة بطريقة سرية.. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
حوالي الساعة الخامسة توجه الوفد إلى مقر وزارة الشؤون الاجتماعية الفلسطينية حيث وجدنا في استقبالنا وزير الشؤون الاجتماعية السيد "أحمد الكرد"، الذي رحب بشكل خاص بالوفد البرلماني المغربي، وقدم السيد الوزير بين يدي الوفدين المغربي والماليزي عرضا شافيا عن الوضعية الاجتماعية التي يعرفها قطاع غزة. لقد ذكر السيد الوزير أن قطاع غزة يوجد به حوالي مليون لاجئ هجروا إليه من أراضي فلسطين التاريخية أي ما يعرف الآن بأراضي 1948. وهم بهذا يشكلون قرابة الثلثين من ساكنة القطاع (حوالي مليون ونصف) تتوزعهم ثمان مخيمات كبرى والوزير نفسه من هؤلاء اللاجئين. ورغم مرور إحدى وستين عاما على القرار الأممي بحق العودة لا يزال هؤلاء ممنوعون من العودة إلى ديارهم وأوطانهم. وعرج السيد الوزير في حديثه على الحيثيات التي جرت فيها الانتخابات التشريعية الفلسطينية بعد انتفاضتين مباركتين ووصول حركة حماس إلى الحكومة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وما رافقها من ملابسات رامت إضعافها بهدف انقلاب المواطن الفلسطيني ضدها، حيث تم إيقاف المساعدات الأوربية والعربية. وأحكم الحصار على قطاع غزة ومنع المواطنون من أجورهم لشهور، وافتعل فلتان أمني ثم جاءت مرحلة الحصار الشامل برا وبحرا وجوا لمدة 20 شهرا لا يسمح إلا بدخول بعض المواد الغذائية الأساسية، وتوفي جراء ذلك وبسبب نقص الأدوية 300 مريض. لقد توقفت الصناعات وبلغت نسبة الفقر 80% والبطالة 60%. ورغم قبول المقاومة بالتهدئة مقابل فتح المعابر إلا أن العدو الصهيوني تنصل من تعهداته كعادته "في ظل صمت عربي مريب". ثم لما لم ينفع الحصار في كسر إرادة المقاومة، جاء الهجوم حيث جرفت الأراضي ودمرت المساكن. قال الوزير أن عائلة السموني أخذ منها 60 فرداً أسرى في أحد المساكن، وقصفوا بطائرة F16 الأمريكية الصنع والنتائج يقول الوزير استشهاد أكثر من 1350 مواطنا فلسطينيا وجرح أكثر من 5300، وهدم كلي لخمسة آلاف مسكن، وهدم جزئي لحوالي عشرين ألف مسكن وتدمير واحد وخمسين مسجدا وكنيسة واحدة وجرف الأراضي الزراعية وتدمير المؤسسات التعليمية. واستطرد السيد الوزير ليقول أنه بعد العدوان العسكري انهالت المسعدات بالأطنان على مطار العريش من مختلف دول العالم.. ولكنها كانت توجه إلى مخازن صهيونية بمباركة حكومة رام الله حسب السيد الوزير..
يتبع
|