كتب معراج المغاربة    السبت, 21 ماي/آيار 2011 17:59    | طباعة |  البريد الإلكترونى
العبور إلى غزة (الحلقة 11) / د. عبد القادر عمارة

عندما تعلو الشهادة الأرصدة
وصل الوفد البرلماني المغربي والوفد الرسمي الماليزي رفقة المرافقين يتقدّمهم نواب المجلس التشريعي الفلسطيني الإخوة مشير المصري، ومروان أبوراس والأخت عائشة الشنطي، إلى مخيم جباليا الذي يعتبر أكبر مخيم بقطاع غزة.
في الحقيقة مخيم جباليا هو عبارة عن ثماني مخيمات يقطن به أكثر من خمسين ألف فلسطيني، ولارتفاع كثافته السكانية فعرض الممر بين حي وحي لا يتجاوز في أحسن الأحوال متراً واحداً، وهو بهذه الهندسة وهذه الكثافة يشكّل قلعة حصينة للمقاومة. لقد بدا لنا ونحن نتجول في مخيم جباليا أن أي مغامرة للجنود الصهاينة في هذا المخيم كانت ستكلفه غالياً، ولهذا أحجم عن أي محاولة لاقتحامه أو التغلغل إلى عمقه. فتجربة الكيان الصهيوني في اقتحام مخيمات الضفة الغربية التي كلفته غالياً في أرواح جنوده وما خلف ذلك من سخط وهياج لدى الرأي العام الصهيوني جعلته في عدوانه على غزة في وضع المناوش فقط، يهاجم خطوط المقاومين تحت غطاء كثيف من قصف الطائرات والمدفعية الثقيلة ثم يقفل راجعاً بسرعة قياسية وقد علا صراخ وعويل الجنود الصهاينة من شدة الرعب، وهذا ما أكده لنا أكثر من واحد من المقاومين. والأكيد أن وضعية "المناوش" فرضتها استراتيجية المقاومة في عدم الخروج من تحصيناتها، حيث أجبرت العدو على أن يكون هو المبادر إلى لقائها وهو أمر لا تخفى تكلفته على العدو.
ونحن في مخيم جباليا كان لا بد أن نقف عند الدمار الهائل الذي أصاب مسجد الخلفاء الراشدين. فهذا المسجد الكبير في مساحته كان آية في المعمار والزخرفة وكان بحق جامعة إسلامية في تدريس العلوم الإسلامية تخرّج منها عدد كبير من المقاومين الاستشهاديين تحت قيادة العالم الشهيد القائد الغزاوي نزار ريان. لقد أخبرنا الإخوة المرافقون أن مسجد الخلفاء الراشدين تلقى قصفاً بصواريخ ضخمة تزن أكثر من طن فدكّ عن آخره. ومن الراجح أن المعلومات الاستخبارية التي توفرت للكيان الصهيوني دلّت على أهمية هذا المسجد في تربية وتكوين وتخريج  المقاومين فكانت ضرباته الهستيرية تعبيراً عن نفاذ صبره من المسجد وإمامه نزار ريان رحمة الله عليه. بعد إطلالة على ما تبقى من أطلال مسجد الخلفاء الراشدين أدينا صلاة الظهر في ساحة قريبة منه مع عدد من المواطنين من سكان المخيم، وانتقلنا غير بعيد عن مسجد الخلفاء الراشدين إلى ما كان قبل قصف الكيان الصهيوني بيتاً للقائد الشهيد نزار ريان. وجدنا كومة من التراب، فقد كان البيت مؤلفاً من ستة طوابق يأوي الشهيد وزوجاته وأبنائه. لقد قضى في هذا القصف ستة عشر شهيداً، تسعة من أفراد عائلته فيهم زوجاته وأبناؤه الصغار وسبعة من الجيران. لقد أبى رحمة الله عليه أن يغيّر محل سكناه بعد بداية العدوان الصهيوني، فقد نصحه الكثير من إخوانه أنه باعتباره قائداً سيكون مستهدفاً من الطائرات الصهيونية التي لا شك قد حددت مكانه وتحركاته. لكن الشهيد رحمة الله عليه رفض رفضاً قاطعاً، وآثر أن يبقى في بيته مع جيرانه يقاسمهم هول القصف ويتقدمهم في المقاومة والصمود هو وأسرته. وأبى رحمة الله عليه كذلك أن يغادر بعد التحذيرات التي دأب الكيان الصهيوني أن يطلقها عشر دقائق قبل القصف طالباً من المواطنين الغزاويين إخلاء البيوت في عملية دعائية خبيثة ومنافقة، إذ كيف للمواطنين إخلاء بيت في عشر دقائق وأين سيذهبون؟ والحال أن البيت عندما قصف قصفت معه بيوت أخرى!!
إنه كما قلت الخبث والنفاق الصهيونيين يسعى من خلالهما ساسة الكيان الصهيوني إبراز حرصهم إمهال المدنيين فرصة للفرار حفاظاً على أرواحهم.. في الوقت الذي لم تجف فيه دماء الذين قتلوا في مدارس عليها أعلام الأمم المتحدة فرّ إليها المدنيون ظانين أنها الملاذ من بطش الصهاينة.
وفي نفس حي الشهيد نزار ريان، فقدت عائلة "الدبب" اثني عشر فرداً، وعائلة "سلموني" ستين فرداً، وبساحة الشهداء بجباليا قتل الصهاينة خمسة وأربعين مدنياً.. أمام أطلال بيت الشهيد نزار ريان التقينا بابنيه وهما شابان متزوجان نجيا من القصف وقدمنا لهما العزاء، وحكيا لنا بكل عزة وشموخ أن رصيد عائلة نزار ريان من الشهداء بلغ ستة عشر شهيداً.. يا الله، إنها أمة تتباهى بأرصدتها من الشهداء.. وشتان بين من يتباهى بأرصدته المالية في الأبناك وعقاراته وشققه وأطيانه، وبين من يقدم لك شهادات الشهداء..
إن هؤلاء من عائلة نزار ريان وغيرهم من الأسر الفلسطينية المقاومة هم لعمري من يجب الاقتداء بهم والتعريف بسيرهم في إعلامنا ليكونوا نماذج خيرة لشباب هذه الأمة.. هم من يجب أن نفخر بهم وأن نُبوّأهم ما يستحقون من مكانة في إعلامنا وأدبياتنا وثقافتنا، لأنهم يحيون موات هذه الأمة وينفخون فيها روحاً جديدة عنوانها المقاومة والصمود..
يتبع
Comments
أضف جديد
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

تاريخ آخر تحديث ( السبت, 21 ماي/آيار 2011 18:05 )
 
جديد المقالات