|
|
العبور إلى غزة (الحلقة 10)/ د. عبد القادر عمارة |

ونحن في منطقة "تل الريس" تحلّق حولنا أطفال وشباب من أبناء الأهالي الذين دمرت بيوتهم، غير بعيد عن الخيام التي نصبتها الحكومة في غزة بتعاون مع المتطوعين. شرع بعضهم يحكي لنا قصة الشهيد القسامي (نسبة إلى كتائب عز الدين القسام) الذي أسر جندياً صهيونياً ومشى به مسافة من أحد خطوط التماس مع جنود العدو الصهيوني إلى أحد البيوت. هذا البيت دكّ عن آخره وتحولت فيه جثتي القسامي والصهيوني إلى أشلاء من طرف الصهاينة بعد أن فطن هؤلاء إلى أن أحداً من جنودهم قد فقد. وقد جاءنا بعض الشباب بلَأْمَة القتال التي كان يرتديها القسامي قام بتصويرها أعضاء الوفد وأخبرونا بأن بعضاً من بقايا الجندي الصهيوني سلموها إلى رجال المقاومة. والراجح كما أخبرنا بذلك بعض المسؤولين أن القسامي بعد مواجهة حامية الوطيس تمكّن من الجندي الصهيوني فقتله وحمله على ظهره إلى أحد البيوت لتقايضه المقاومة لاحقاً بالأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ولكن الجيش الصهيوني الذي لا يرعى حرمة حتى لقتلاه أمطر البيت الذي دخله القسامي والبيوت المجاورة بوابل من القنابل فأحاله أثراً بعد عين. فالصهاينة لا يزالون يعيشون تحت كابوس أسر "جلعاد شاليط" ولا يزالون يجرون أذيال الخيبة والهوان في مقايضة أسرى لبنانيين برفات طيارهم "أراد". لقد كان أطفال غزة وشبابها رغم الدمار الذي أصاب بيوتهم فخورين بمقاومتهم ومنجزاتها ويشع في أعينهم بريق من الإعجاب. والأكيد، وهذا ما بينته التجارب، أن هذا الإعجاب بالمقاومين سيتحول في المستقبل إلى إصرار على أن ينحو هؤلاء الأطفال والشباب منحى المجاهدين من رجالات غزة ونسائها في الذوذ عن دينهم وأرضهم وعرضهم.
وقد زار الوفد بعد ذلك مدرسة معاوية بن أبي سفيان، حيث ولجنا إلى ساحة المدرسة التي كانت خالية من التلاميذ وقد توقفت بها الدراسة. هذه المدرسة لحقها تدمير بالغ بسبب أحد الصواريخ التي أطلقها جنود الكيان الصهيوني، حيث اخترق هذا الصاروخ مجموعة من الأقسام. ونحن في وسط ساحة المدرسة وأحد الإخوة ولعله الأستاذ مشير المصري يحكي عن واقعة تدمير هذه المدرسة ووقائع التدمير الأخرى التي طالت حي السلاطين ومقر بلدية بيت لاهيا، استرعى انتباهي أعلام الدول العربية والإسلامية وقد رسمت على جدران الأقسام التي تطل على باحة المدرسة مع تعريفات موجزة عن كل بلد. لقد كان المنظر رائعاً ورهيباً في آن واحد، رائعاً لأن منظر هذه الأعلام وتعريف بلدانها يتأمله التلاميذ صباح مساء مما يرسخ في وعيهم ووجدانهم وهي في طور التشكل بذرة الانتماء إلى أمة وحضارة عظيمتين، ورهيباً لأن السيميائية في تلك اللحظة بالذات أبت إلا أن تلخص واقع هذه الأمة، فكأني بالصاروخ الصهيوني يخترق هذه الأمة ويعيث فيها تدميراً، فهذه الأعلام على كثرتها وتنوعها وامتدادها من المحيط الأطلسي إلى تخوم "إيفرست" اخترق أجزاء منها هذا الصاروخ وكأني بها وقد استكانت إلى مصيرها. ويؤسفني أن أقول مستقبلاً من أمري ما استدبرت أن هذه اللوحة السيميائية تلخص حال الأمة الإسلامية بتشتتها وهوانها على نفسها أمام عدو جمع أطراف الخبث واستقوى بالغرب.
وأنا في تأملاتي جاءني الدكتور مصطفى الإبراهيمي، عضو الوفد المغربي، بدفتر وجده مرمياً في إحدى ممرات المدرسة وقد بقي في مجمله سليماً قد يكون سقط من إحدى التلميذات وهي في حالة هلع جراء القصف الصهيوني. دفتر مرتب بخط جميل يوحي بأن صاحبته تلميذة نجيبة وقد احتفظ به الدكتور ذكرى لمرورنا بهذه المدرسة وذكرى لشهادتنا على همجية كيان عنصري همجي يأتي على الأخضر واليابس، لم يستثن في هجمته وعدوانه لا مدارس ولا تلاميذ ولا أطفالاً..
أذكر أن الأستاذ النائب مشير المصري، وهو يحكي لأعضاء الوفد في ساحة المدرسة عن وقائع التدمير التي قام بها العدو الصهيوني في مناطق غزة، روى عن معارك مخيم السلاطين التي خاضها المقاومون لرد هجوم الصهاينة وحسب ما ذكر الأستاذ فقد تكبّد العدو الصهيوني في جولات ثلاث خسائر بشرية قدّرها المقاومون بثمانية قتلى فتسعة فثلاثين... فكان كلامه بلسماً لجراحنا ونحن نعاين دمار مدرسة معاوية بن أبي سفيان وغيرها من أحياء ومخيمات غزة.
يتبع
|
|
تاريخ آخر تحديث ( السبت, 07 ماي/آيار 2011 17:46 )
|