كتب معراج المغاربة    الإثنين, 11 أبريل/نيسان 2011 12:07    | طباعة |  البريد الإلكترونى
العبور إلى غزة (الحلقة التاسعة)/ د. عبد القادر عمارة
قبيل الانطلاق إلى الحافلة لمواصلة زيارتنا الميدانية لمشاهدة الدمار بغزة، ونحن على أهبة الخروج من المجلس التشريعي الفلسطيني وقفنا للحظات أمام صورة كبيرة مركبة لم يطلها الدمار الصهيوني، وهي لأعضاء المجلس التشريعي المختطفين والمعتقلين بسجون الاحتلال وعددهم ثلاثة وأربعين أغلبهم من كتلة التغيير والإصلاح على رأسهم رئيس المجلس الدكتور عزيز سالم الدويك.
لقد كانت لحظة مؤثرة ونحن نقف أمام صور زملاء لنا اختطفوا في انتهاك صارخ لكل الأعراف والمواثيق الدولية. حينها ذكّر رئيس الوفد البرلماني المغربي بأن رئيس مجلس النواب المغربي الأستاذ مصطفى المنصوري وخلال ترأسه لإحدى الجلسات العامة المتلفزة تلا بياناً تضامنياً صادراً عن مجلس النواب المغربي مع الدكتور عزيز سالم الدويك على إثر الحكم الجائر الذي أصدرته في حقه إحدى المحاكم الصهيونية ظلماً وعدواناً.
المحطة الثانية لزيارتنا لغزة كانت إلى ثكنة الشرطة التي قصفها جنود الكيان الصهيوني في بداية عدوانهم على غزة واستشهد فيها العشرات من رجال الشرطة، مع أن هؤلاء في الأعراف والمواثيق الدولية ليسوا محاربين. هذا أقوله فقط من باب الحسرة على هذه الأعراف والمواثيق التي تمرّغها دولة الكيان الصهيوني في التراب، وإلا فالكل يعلم أن ساسة وقادة هذا الكيان لا يبالون بها، بل ولا يبالون بقرارات مجلس الأمن الدولي، وهم بذلك لا يفرقون بين مدني وعسكري ولا بين محارب وغير محارب، وأعتقد جازماً أنهم في الأساس لا يريدون أن يفرّقوا. لقد كانت آثار العدوان التي عاينا بشعة...! ولكم أن تتخيلوا كيف كان العدوان في حينه إذا كانت آثاره بالبشاعة التي شهدنا. لقد أراد ساسة الكيان الصهيوني من هذا الاستهداف لثكنة الشرطة بغزة إرسال رسالة إلى الفلسطينيين عموماً وإلى المقاومة الباسلة خصوصاً، مفادها أن لا أحد سيكون بمنأى عن الآلة الحربية الصهيونية، وأن الآتي سيكون فظيعاً. وفهمت المقاومة الرسالة وحوّلت بإذن الله يوم الصهاينة المعتدين إلى ليل حالك.
مررنا ونحن في طريقنا إلى ضواحي غزة بالساحة وسط المدينة وهي المنطقة التي لم يتمكّن العسكر الصهيوني من الوصول إليها رغم الدمار الذي خلفته الطائرات والمدفعية الثقيلة، فوصلنا إلى حي السلام حيث جل البيوت مدمرة. ونفس آثار الهدم عايناه بمنطقة المقبرة الشرقية. أما في حي "عبد رب" الذي يعتبره المواطنون الغزاويون حياً صناعياً والذي يقع بمحاذاة الحدود مع فلسطين المحتلة، فأستطيع أن أقول إنه دمّر عن آخره بالنظر إلى حجم الدمار الذي شاهدناه. لقد قدّر الإخوة المرافقون لنا حجم خسائر مصنع أبو عبدة للإسمنت لوحده بحوالي 10 ملايين دولار. والواضح من هذا التدمير أن الكيان الصهيوني كان يبحث عن منطقة عازلة في عمق أراضي غزة وهو ما لم يفلح فيه. بالإضافة إلى هذا التدمير هدف أيضاً إلى شلّ البنيات الاقتصادية لقطاع غزة التي استعصت على الحصار الظالم الذي امتد لسنوات. وبالموازاة مع الدمار الذي شهده الحي الصناعي عاينا الدمار الذي لحق بالمناطق الزراعية، حيث اقتلعت جرافات العدو الصهيوني الأشجار المثمرة والمزروعات وجرفت الأرض الزراعية بعمق متر أو يزيد. والراجح أنها كما قال الإخوة المرافقون لنا كانت تسعى إلى هدفين على الأقل، الأول اقتصادي هو ضرب العصب الثاني للاقتصاد الغزاوي بعد الصناعة والمتمثل في الزراعة، والثاني عسكري وهو حماية الدبابات والآليات العسكرية الصهيونية من العبوات الناسفة التي يزرعها المقاومون في المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة، وكذلك كشف وتعرية الخنادق التي يتمترس فيها المقاومون. لقد كان مشهد الدمار في هذه المناطق هائلاً ومريعاً، الأرض والمعامل والبيوت مدمرة، وحتى مآذن المساجد لم تسلم من القصف، وحسب بعض المواطنين الذين التقيناهم فقد اجتمع لدى العدو الصهيوني حقده على كل ما يرمز إلى الإسلام وكذلك خوفه من أن يستغل قناصة المقاومة المآذن لعلوها لاصطياد جنوده وبعض المساجد كمسجد "صلاح الدين" الذي عاينا أطلاله دكّ عن آخره، وحكى لنا شهود عيان أن الحي الذي يوجد به المسجد المدمر وهو حي صلاح الدين شهد محرقة قام بها الصهاينة خلّفت أكثر من 130 شهيداً في صفوف الفلسطينيين.
رغم هذا الدمار الهائل، ونحن نجوب هذه المناطق الصناعية والزراعية على صغرها، وتذكيراً للقارئ فعرض غزة من الحدود مع فلسطين المحتلة إلى البحر حوالي 5 كيلومترات في المعدل وأقصى عرض حوالي 10كلم، ونحن في هذه الزيارة الميدانية جاءنا بعض المزارعين بفواكه "التوت" أو "الفراولة" معبأة في علب بلاستيكية شفافة جاهزة للتصدير أو للبيع. وللأسف فإن الإغلاق المستمر للمعابر يحول دون تصديرها مما يكلّف هؤلاء المزارعين المساكين خسائر هائلة. أجمل ما في هذه الفواكه أنها فواكه طبيعية أي بالتعريف الفرنسي "بيو" (Bio)، حيث يتم إنتاجها دون استعمال المواد الكيماوية، وهذا يعطي للقارئ الكريم فكرة عن الإصرار وقوة العزيمة التي يتمتع بها الغزاويون، فرغم ظروف الحصار والعدوان المستمر ففلاّحوهم ينتجون فواكه بمواصفات دولية، قال لنا أصحابها إنها موجهة للاتحاد الأوربي. ولله في خلقه شؤون، فهؤلاء لم يثنهم لا صغر الرقعة الزراعية ولا ظروف الحصار الذي يمنع عنهم ما يحتاجونه من مدخلات ولا استمرار العدوان الذي يجرف التربة ويترك الأرض عبارة عن أخاديد وأكوام من التراب، لا شيء يثنهم عن أن يكونوا منتجين في مستوى مواصفات الجودة لأقرانهم ببلدان أخرى لا تعاني شيئاً مما يعانون، ساعتها وأنا أتذوق تلك الفراولة لم أملك إلا أن أقول بدارجتنا المغربية "بَازْ"..
يتبع
Comments
أضف جديد
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

تاريخ آخر تحديث ( الإثنين, 11 أبريل/نيسان 2011 12:16 )
 
جديد المقالات