|
|
العبور إلى غزة (8) /د. عبد القادر عمارة |
|

التحق بنا الإخوة مشير المصري ومروان محمد أبو راس ومرافقيهم على طاولة الإفطار صبيحة الثلاثاء 27 يناير 2009، وهو اليوم الأول لنا بمدينة غزة. بعد دردشة قصيرة مع الإخوة الفلسطينيين ركبنا الحافلة التي وضعها الإخوة رهن إشارتنا وكنا نحن الوفد البرلماني المغربي ووفد رسمي ماليزي انتدب من طرف حكومته لتقييم وضعية أهالي غزة بعد العدوان الصهيوني وتقييم احتياجاتهم.
انطلقنا من فندق غزة الدولي صوب مقر المجلس التشريعي الفلسطيني وسط زحام غزة الشديد. كان معنا في الحافلة مرافقون شباب كلهم طلبة متطوعون يقومون على خدمة الوفود وكذلك الترجمة بالنسبة للذين لا يتحدثون اللغة العربية، وهو شأن الوفد الماليزي حيث خصص لهم شباب يجيد الحديث بالإنجليزية.
أشير إلى أن هؤلاء المرافقين بالإضافة إلى حيويتهم ودماثة خلقهم ومسارعتهم إلى خدمة ضيوفهم، فإيمانهم بقضيتهم راسخ رسوخ الجبال. فمن تسأل منهم عن أوضاعهم في ظل الحصار الظالم للكيان الصهيوني وكيف يتمكّنون من الدراسة في هذه الأوضاع التي يجتمع فيها الحصار مع القصف الصهيوني الهستيري على الدور والمدارس والمساجد والجامعات والبنيات الأساسية عموماً، تجد جواباً واحداً يتكرر في مضمونه وإن اختلفت تفاصيله. هذا الجواب يجمله حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يحفظه عموم هؤلاء الإخوة "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، ولا يضرّهم من خالفهم، ولا ما أصابهم من البلاء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال في بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس".
شباب يملؤه إيمان عميق بعدالة قضيتهم ورسوخها في عقيدة المسلمين. تخالهم وهم يبتسمون ويمازحونك ويسارعون إلى خدمتك أنهم لا يعيشون حصاراً ولا عدواناً... فللّه درّهم من شباب يجدر بشبابنا الاقتداء بهم وجعلهم قدوة وأسوة لهم.
وصلنا إلى مقر المجلس التشريعي الفلسطيني. وجدناه بناية تهدّمت جوانبها حتى أضحت حيطانها خطراً على المارة والعربات وذلك بفعل القصف الوحشي المتكرر للآليات الحربية للكيان الصهيوني حيث دكّت جل مرافقه كقاعة الجلسات فصارت أثراً بعد عين. لقد تأملت كثيراً في هذا التدمير الهستيري الذي تكرر مراراً وبدا لي والله أعلم أن قصفاً متكرراً بهذه الوحشية وبهذه الهستيريا لمؤسسة ترمز إلى الشرعية الفلسطينية لا يمكن أن يكون عشوائياً، بل هو قصف مقصود وتكراره مرات ومرات حتى بعد أن تأكّد للمجرم الصهيوني أن البناية لم تعد صالحة للاستعمال ينم عن حالة من الجنون حيال مؤسسة ترمز كما قلت انفا إلى الشرعية الفلسطينية. لقد احتكرت دولة الكيان الصهيوني لسنوات الفرادة في الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أي على مستوى العالم العربي وسوّقت لذلك بمكر وخبث بالغين في العالم الغربي. وساعدها بطبيعة الحال في ذلك غياب الديمقراطية في الدول المحيطة بهذا الكيان وكذلك الانحياز الغربي الأعمى الذي كان يرى في هذا الكيان ديمقراطية نموذجية ويتغاضى عن جرائمه بشكل مقزّز. وحين جاءت التجربة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو ورغم الإكراهات المتمثلة في العدوان المستمر على الشعب الفلسطيني وارتهان المجالات الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية للفلسطينيين إلى هذا الكيان الغاصب، جاءت تجربة نموذجية لممارسة الديمقراطية شهد بها العالم كله وأشاد بنزاهة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني كل المراقبين الدوليين الذين حضروا لمراقبتها، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي السابق جيمس كارتر.
داخل هذه الأطلال الشامخة التي استعصت على التدمير، استقبلنا أعضاء من المجلس التشريعي الفلسطيني يتقدّمهم الأخ محمد فرج الغول نيابة عن الأخ أحمد بحر الذي لم يتمكن من الحضور شخصياً لاستقبال الوفد البرلماني المغربي بسبب الأوضاع الأمنية الحرجة، والذي بدوره ينوب عن الأخ عبد العزيز الدويك الذي اعتقلته سلطات الكيان الصهيوني وحاكمته ظلماً وعدواناً. والأكيد أن اعتقاله ومحاكمته وثلة من نواب المجلس التشريعي الفلسطيني جاء ضمن السياق الذي تحدثت عنه آنفاً، وهو إجهاض التجربة الديمقراطية الفلسطينية وضرب مؤسساتها وإرهاب رجالاتها.
رحب بنا أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني عند مدخل المبنى، حيث دلفنا جميعاً إلى حديقته التي توزعت فيها مجموعة من الكراسي جلسنا عليها وتبادلا الأخوين محمد الغول عن المجلس التشريعي الفلسطيني ومصطفى الرميد عن الوفد البرلماني المغربي كلمات ركزت على أهمية زيارة الوفد المغربي لغزة وترحيب المجلس التشريعي الفلسطيني بها. لقد كان واضحاً من كلام الأخ الغول أن غزة انتصرت على الوحوش الصهاينة رغم الدمار الذي ألحقته الآلة الحربية الصهيونية بالبنيات الأساسية والبنايات، وأنها كما قال ستظل بإذن الله صامدة. بعد هذا اللقاء الذي حرص الإخوة الفلسطينيون ألا يطول كثيراً خوفاً على سلامة الزائرين قدم أعضاء الوفد تصريحات لعدد من القنوات الدولية، منها القناتين الأولى والثانية المغربيتين، ثم انطلقنا في الحافلة إلى المحطة الثانية في برنامج زيارتنا.
يتبع
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الثلاثاء, 15 مارس/آذار 2011 20:02 )
|