|
|
العبور إلى غزة (4) / د. عبد القادر عمارة |
|

قمنا بإنزال حقائبنا وأمتعتنا من "الباص" الذي نقلنا من مطار القاهرة إلى معبر رفح، اقترح أعضاء الوفد أن نطلب من سائق "الباص" أن ينتظر المدة التي تتطلبها الإجراءات الإدارية حتى نضبط معه وقت رجوعه لأخذنا من المعبر، ولكن سرعان ما تبين، بعد الحديث مع الجموع المتحلقة حول بوابات المعبر (انظر الحلقة الثالثة)، أن أمر الإجراءات لا بد سيطول ومن تم لا فائدة من انتظاره معنا.
وضعنا أمتعتنا بمحاذاة الحائط بين البوابتين الضخمتين وانضممنا إلى صفوف المتحلقين حول البوابة اليمنى للمعبر، تقدم رئيس الوفد بمعية عضوين من الوفد من البوابة الصغيرة، لم يفتح أحد البوابة كما كنا نأمل، فلآخر لحظة لم نفقد الأمل في أن نكون استثناءً، فنحن وفد برلماني رسمي من دولة صديقة لمصر تربطها بها علاقات متميزة، قد يؤخذ هذا بعين الاعتبار من طرف سلطات المعبر.. خاب أملنا.. خاطبهم رئيس الوفد السيد مصطفى الرميد من وراء حجاب "نحن وفد برلماني مغربي رسمي نمثل مختلف الأطياف السياسية جئنا إلى غزة للتضامن مع أهلها.."..
كانت تلك تقريباً الكلمات التي نطق بها رئيس الوفد وقد سلم للعسكري من خلال فتحات الباب الأوراق الرسمية وجوازات السفر. أعاد العسكري لنا جوازات السفر وقال كلاماً مفاده أنه سيستعلم من رؤسائه. ابتعدنا عن البوابة واندسسنا وسط جموع المتحلقين المنتظرين نتجاذب معهم أطراف الحديث إما باللغة العربية أو ببعض الإنجليزية، وأخذنا بعد ذلك مكاناً لنا في الحانوت الوحيد الذي يقدم ما يمكن تسميته مجازاً بـ"الساندويتشات".
على كل حال، لم يكن هذا مهماً، فآخر ما نفكر فيه في تلك اللحظة هو الأكل، مرّت نصف الساعة الأولى فالثانية ودخلنا في الثالثة وبدا لنا أن موعد الرابعة يقترب وهو إيذان بإغلاق المعبر وبدأ صبرنا ينفذ.. عدنا جماعة إلى أمام البوابة بحيث يرانا "العسكريون".. لا شيء.. وهنا بادرهم رئيس الوفد وهو يعيد نفس اللازمة التي خاطبهم بها ابتداءً مع إضافة "يا إخواننا يا أحباءنا في مصر الشقيقة.."، لا شيء.. قضيتنا قيد الاستعلام. متى ينتهي هذا الاستعلام؟ لا أحد يعلم. المهم بتعبير أحد موظفي المعبر "الصبر الجميل".
انتظرنا حوالي ربع ساعة أخرى. وهنا لمعت فكرة في ذهن الأخوات والإخوة أعضاء الوفد بأن نرفع شعارات احتجاجية على هذا الاستقبال غير اللائق. تساءلنا في ما بيننا بما أنه لا شيء يؤشر على أننا سنكون استثناءً وسط هذه الجموع الحاضرة وربما السابقة وسنعامل نفس معاملتها، وحيث لم يشفع لنا لا عضويتنا للبرلمان ولا كوننا نمثل وفداً رسمياً ولا أننا من دولة صديقة لمصر، فلما لا نحتج بطريقة حضارية على "إخواننا المصريين"؟ والحقيقة أن هناك حدثاً قدره الله عز وجل في تلك اللحظات جاء ليعزز هذا الاتجاه وهو خروج عضوين من البرلمان السويسري من المعبر، لقد خرجوا لتوهم من غزة بعد أن أمضوا فيها قرابة يوم، ولدى سؤالهم عن مدة انتظارهم قبل دخول غزة، نزل جوابهم علينا كالصاعقة: "انتظرنا أقل من ساعة".. هذه قمة المهانة و"الحكرة". وهنا انطلقت الشعارات وبدأنا بشعار لطالما رددناه في مسيراتنا الضخمة بالرباط "بِفَضْلِكْ مولانا جْد عَلَيْنَا واهْلْكْ من طغى واتْجْبْر عَلَيْنَا".. كان شعاراً مدوياً رددناه لبضع دقائق مع شعارات أخرى من وحي الحدث، وكم كانت دهشتنا كبيرة حين انضمت إلينا جموع المنتظرين من أتراك وماليزيين وبعض المصريين وفلسطينيين. وأخذوا يرفعون أياديهم معنا تعبيراً عن احتجاجهم وانطلقت كاميرات التصوير وبدأت معه اتصالات الصحافيين من المغرب ومن قنوات فضائية دولية كان أهمها على الإطلاق قناة الجزيرة.
لقد كان الاحتجاج بهذه الطريقة حدثاً غير عادي في هذا المعبر الذي اعتاد الأوصياء عليه أن يتركوا الزائرين في انتظار طويل قد يدوم أياماً دون احتجاج، اللهم إلا من بعض الكلمات المحدودة وفي كثير من الحالات همهمات لا أقل ولا أكثر. استمر احتجاجنا حوالي ربع ساعة، وجاء بعده من ينادي على السيد رئيس الوفد. وفتحت البوابة الصغيرة ودخل السيد الرميد إلى حيث التقاه أحدهم. لا أظنه مسؤولاً كبيراً. أعاد الرميد نفس الكلام ومدّ هذا "المسؤول" بالأوراق وجوازات السفر. في الحقيقة، لقد كان تبرير هذا المسؤول تبريراً ينطبق عليه المثل العربي الشهير "العذر أكبر من الزلة".
الحكاية وما فيها يا سادة أن "أمن المعبر" لا علم لهم البتة بمجيئنا ولا أحد أعلمهم بأن وفداً برلمانياً رسمياً سيأتي لدخول غزة. وما المطلوب إذن؟ هذا ما سيخبرنا به أحد أعضاء "الأمن القومي" ربما على كل حال هيئته توحي بذلك، خرج من المعبر وتنحى برئيس الوفد جانباً، وقال له أنه يجب أن نخبر "الأمن القومي" المصري بمجيئنا!! وبالطبع شرحنا للسيد أن هذا ليس من اختصاصنا وأن ما تعين علينا القيام به قمنا به كاملاً وهو إخبار مجلس الشعب المصري من طرف البرلمان المغربي ومراسلة الخارجية المغربية وسفارة المملكة المغربية بالقاهرة، وهي أكيد أنها قامت بواجبها في إخبار مثيلاتها بجمهورية مصر. وعلى كل حال، لنبقي شعرة معاوية قلنا له: إنكم الآن بعد هذه الوقفة الاحتجاجية تعرفون أنا هنا فرجاءً قوموا بالمتعين.
وعندما أذنت الشمس بالمغيب، لم يعد لنا من خيار سوى العودة إلى العريش وقد تكفل بنقلنا اتحاد الأطباء العرب مشكورين، حيث وضعوا رهن إشارتنا "باصاً" لنقلنا وكَفَوْنَا مؤونة التفاوض مع "سماسرة الباصات" بالمعبر.. عدنا أدراجنا إلى العريش بعد أن سرى عبر القنوات الفضائية والإعلام الوطني خبر منع السلطات المصرية لنا بالعبور إلى غزة.
يتبع
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الأربعاء, 02 فبراير/شباط 2011 16:00 )
|