|
|
أمريكا وإسرائيل: مفارقات الولاء المستمر/ د. عبدالنبي بورزيكي * |

انتبه العديد من الباحثين الأمريكيين و الإسرائيليين، المصنّفين في خانة الإسرائيليين الجدد، إلى أن الكيان الإسرائيلي، أصبح يمثّل عبئا ثقيلا على المصلحة القومية الأمريكية، و أن سياسة التشّدد الراديكالي و العنصرية المفرطة، التي تقودها إسرائيل ضد شعب فلسطين ليستا في صالحها بداية، لأنها لا تؤدي إلاّ إلى مزيد من التطرف الفلسطيني، و تغذية طموحات الجماعات الدينية المتطرفة داخل العالمين العربي و الإسلامي، و من تمّ فهي لا تزيد إلا في تعريض مصالح أمريكا و حلفائها للخطر، سواء داخل منطقة الشرق الأوسط، أو داخل باقي المجالات «الجيوسياسية» العربية و الإسلامية: في المغرب العربي ، آسيا الوسطى ... و هو الأمر نفسه الذي أكَد عليه الباحثان الأمريكيان « جون ميرشايمر » (Jhon.J Mearsheimers) و «ستيفن م. والت» (Stephen.M. Walt) في كتابهما حول اللوبي الإسرائيلي و السياسة الخارجية الأمريكية بقولهما: «أن الدعم غير المشروط لإسرائيل، أضحى يمثل عبئا ثقيلا على المصلحة القومية الأمريكية و على مصالح حلفائها»، بل ذهبا إلى حدّ الإعتراف بأن الغزو الأمريكي لأفغانستان و العراق كان من تدبير اللوبي اليهودي، الذي كان متحكّما في دائرة صناعة القرار السياسي الأمريكي.
ولا يعد هذا الكتاب الأول من نوعه في هذا المضمار، بل سبقه إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي «روجي كارودي» « Rogy Garodi » ، الذي تعرّض للإتهام و النفي و المحاكمة على إثر ضحظه للأساطير الإسرائيلية حول «أرض الميعاد» و «إمبراطورية اليهود»، أو «هيكل سليمان»، وفق منطق علمي و نقدي مدعوم بالحجج و البراهين. و كذا كشفه لزيف الإدعاءات الإسرائيلية حول عدد الستة ملايين يهودي، الذين أحرقوا في أفران الغاز على يد «هيتلر».[1] و خلص إلى أن الإنحياز الغربي خلف الإدعاءات الإسرائيلية سوف لن تكون في صالح الغرب، لكونه يهدَد الوجود الغربي-المسيحي بأوخم العواقب.
وبالفعل فقد أثبتت الأحداث اللاحقة صحة نبوءة الأستاذ «روجي كارودي»، إذ أدى الإنجرار الأمريكي الأعمى خلف اللوبي الإسرائيلي إلى حدوث كارثة إنسانية للشعب الأمريكي بحجم التدميرات، التي أحدثتها إنفجارات ما أصبح يصطلح عليه في العلاقات الدولية المعاصرة بأحداث 11أيلول/ سبتمبر 2001.
أما الباحث الإسرائيلي «شلومو ساند» (Shlomo Sand) (أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب)، و المحسوب على تيار المؤرخين الإسرائيليين الجدد، فقد شكّك في كتابه حول كيفية إختلاق مقولة الشعب اليهودي في الفكر الغربي و المسيحي المعاصر، في «أسطورة الدولة اليهودية»، التي يروَج لها القادة اليهود داخل إسرائيل و خارجها، للإجهاز على حق الشعب الفلسطيني في الوجود، و في تأسيس دولته المستقلة. كما أنه أدان الإعتداءات الإسرائيلية المتتالية ضد المدنيين الفلسطنيين، و دعا إلى وقف التماطل الإسرائيلي إزاء المشكل العربي-الإسرائيلي، و الإسراع نحو إقرار السلام. و في رده على سؤال: هل تعتبر نفسك صهيونيا؟. أجاب: «لا أعتبر نفسي صهيونيا، بل ما بعد صهيوني، لأنني أعتبر الصهيونية إستعمارا، أي أنه مفهوم حقّق نفسه على حساب السكان العرب و الفلسطينيين، موازاة مع الدولة الإسرائيلية، على أمل أن يتم تأسيس فيدرالية بين البلدين، لأنه لا يمكن العيش بدون العرب في الشرق الأوسط».[2] فهل ستقود كل هذه الإنتقادات و المكاشفات إلى إثارة إنتباه القادة الأمريكيين إلى مدى الخطر، الذي يمثله الإنجرار الأعمى خلف إسرائيل؟. و ألم يحن الوقت بعد لتأخذ أمريكا العبرة من أحداث نيويورك و واشنطن وتداعياتها؟.
لم تقتصر التداعيات الكبرى لأحداث 11 أيلول2001 على الولايات المتحدة الأمريكية داخليا، و على علاقاتها الدبلوماسية و الإستراتيجية بباقي دول العالم، أو على باقي النزاعات الدولية مثل النزاع الهندي- الباكستاني في شبه الجزيرة الهندية و النزاع العربي-الإسرائيلي، و حتى قضية الصحراء المغربية، بل أصابت في العمق علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بحليفتها إسرائيل.
ويبدو أن تصحيح علاقة أمريكا بإسرائيل تتوجب بالنظر للعديد من العوامل، نذكر منها:
أ- أن أول من يتحمَل عبئ الدعم الأمريكي المالي و الإقتصادي للكيان الصهيوني هم الفئات العريضة من الشعب الأمريكي، دون أن يتأثر صانعي القرار في غالب الأحيان بذلك. و قد دفع اللوبي الإسرائيلي بقوة سنة 1982 نحو إيجاد نص جديد في الميثاق السنوي للمساعدات الخارجية ينص على أن إسرائيل يجب أن تتلقى مجموع قيمة المساعدات خلال الثلاثين يوما الأولى من السنة المالية، و هو ما كان يفرض على الحكومة الأمريكية إقتراض المبلغ الكافي لتغطية العجز، الذي يحدثه ذلك التحويل.
وقد سجّل قسم الدراسات في الكونغرس أن التحويل الاستباقي لذلك المبلغ الكبير ظل يكلف دافعي الضرائب الأمريكيين، أي الشعب الأمريكي ما بين (50) و (60) مليون دولار في السنة. فهل سوف يشعر الشعب الأمريكي بقيمة التضحيات المقدمة لإسرائيل، و التي لا تزيد إلا في إذكاء عداء باقي الشعوب العربية والإسلامية عليه؟. أم أن اللوبي اليهودي يستحكم بآلته الإعلامية الضخمة على عقول و أبصار الأمريكيين؟؛
ب- إن الدعم الأمريكي غيرالمشروط لإسرائيل سوف لن يؤدي إلاَ إلى تأبيد الصراع العربي-الإسرائيلي. و بالفعل فقد أثبتت الوقائع التاريخية مند عهد «بلفور» أن الدعم الغربي لإسرائيل أدى إلى تقوية القوة الإسرائيلية إلى حدّ خروجها عن سيطرة صانعيها، حيث أنّ كل مبادرات السلام التي ظلت تطرحها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، في محاولاتها لإقامة نوع من التوازن في منظقة الشرق الأوسط، رعاية لمصالحها لا لمصالح الطرف الضعيف : العرب و المسلمون، كانت تؤدي إلى الفشل الذريع، بداية من إتفاقيات مدريد و أسلو و مرورا بخارطة الطريق إلى مؤتمر «أنا بولس» لسنة 2008...
وبذلك فهذا الدعم لم يزد إلا في تأجيج الحقد و العنصرية بين أطراف النزاع و تأبيده بلا نهاية؛
ج- إن الدعم الأمريكي المطلق لليهود سوف يؤدي إلى تعميق الهوة الثقافية، الحضارية، و الدينية بين المسلمين و الغرب، كما يساعد على تغذية دعاة أطروحة الصدام الحضاري، و يُوجد مبررات دائمة لشرعنة طموحات الجماعات الدينية المتشدّدة من كلا الجانبين، و يديم سمة التشكّك و الكراهية و الخوف من الآخر (Hemophobia)، الأمر الذي يجعل السلام العالمي بعيد المنال بين طوائف دينية ثلاث تشغل فئة عريضة من البشرية: الإسلام المسيحية و اليهودية. و يرهن المستقبل الحضاري للأجيال القادمة بحروب صليبية جديدة. فهل سيسمح اللوبي اليهودي بإجراء فك إرتباط تدريجي بينه و بين الحكومة الأمريكية في إطار من التوازن السياسي و الإستراتيجي الثلاثي الذي يراعي المصالح الثابتة للعرب و المسلمين و الأمريكيين و اليهود في نفس الآن؟.
إذا كانت فترة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد شكّلت ذروة المناورة السياسية الأمريكية في دفع إسرائيل إلى توقيع إتفاقات السلام مع الفلسطينيين (و التي ذهب ضحيتها رئيس الوزراء الإسرائيلي أنداك إسحاق رابين)، فان عهد الرئيس «جورج بوش» الإبن يعد بإمتياز العصر الذهبي في التعبير عن علاقة الإذعان و الخضوع الأمريكي اللامحدود للمطالب الإسرائيلية على الأقل في الألفية الجديدة، إذ عرفت فترته إندلاع إنتفاضة الأقصى الثانية، موازاة مع التفجيرات المذكورة و توقيع الحرب على أفغانستان و العراق، في حين لم يتم توقيع أي إتفاق سلام حقيقي بخصوص النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.
أما فترة حكم الرئيس باراك حسين أوباما ، رغم التغيير الطفيف الذي عرفته إتجاهات الحوار العام الدائر حول الشرق الأوسط على الأقل فيما مضى من ولايته، فلا تزال تلك التغيرات أولية للغاية، و غير متمأسسة بالشكل المطلوب، إذ يصعب القول بأنها تشير إلى قرب حدوث تحول جوهري في علاقة أمريكا بإسرائيل. و لعلّ تحفّظ رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتانياهو» على الكثير من جوانب الخطاب الإنفتاحي، الذي وجّهه أوباما إلى العالم الإسلامي بتاريخ 04-06-2009، فضلا عن الرفض، الذي ما فتئ يعلنه وزير خارجيته المتطرف «ليبرمان» إزاء وقف الإستيطان في القدس و الضفة، والمضي قدما في عملية السلام، تعد أبرز مثال على ذلك.
لا شك أن الدعوة إلى فك إرتباط اللوبي اليهودي بالسياسة الخارجية الأمريكية، عبر الفصل البرغماتي، المصلحي و الواضح بين المصالح الأمريكية و المصالح الإسرائيلية، و فصل التداخل المستمر الحاصل بينهما. سواء تم ذلك عبر التحكم في نظام تمويل الحملات الانتخابية، أو الدفع نحو فتح نقاش مفتوح حول موقع اللوبي اليهودي في أمريكا..، لا يمكن أن يؤدي إلى تحرير السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضايا الشرق الأوسطية و العربية الإسلامية عامة من قبضة اليهود المتنفذين في دوائر صناعة القرار؛ ففي ظل سيادة منطق النظام السياسي المفتوح في الولايات المتحدة والهيمنة الشديدة للوبي اليهودي في الأوساط الإقتصادية و العسكرية و الثقافية الأمريكية. و كذا التكميم الممنهج الذي يمارسه على مجالات البحث و الإعلام، يصبح من العسير بلوغ ذلك.
إن استحضار المصالح الفلسطينية و العربية –الإسلامية، و الدفاع عنها في السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة، لا يمكن أن يتم داخل النظام السياسي الأمريكي إلاَ من خلال آلية التنافس الشامل: السياسي، الاقتصادي، الدبلوماسي، و الثقافي في دولة تتكون في معظمها من طيف لا محدود من الجاليات و الإثنيات، و تعرف تضاربا مستمرا للمصالح فيما بينها.
وهكذا، فتكثل الجالية الفلسطينية والجاليات العربية-الإسلامية المتواجدة بالولايات الأمريكية في إطار لوبي سياسي منظّم وقوي، يبدو وحده الكفيل بفضح الادعاءات الكاذبة، التي يروجها اليهود في أوساط الشعب الأمريكي، و من تمّ تصحيح الصورة النمطية للعرب و للإسلام في أمريكا، عبر إستغلال الدعوات الإنفتاحية للرئيس أوباما و لوزيرة خارجيته «هيلاري كلينتون»، التي مافتئت تطالب العرب بالتطبيع مع إسرائيل، في المساومة والضغط والتعامل بإحترافية مع الواقع، الذي تفرضه هيمنة اللوبي الإسرائيلي على القرار الخارجي الأمريكي لخدمة المصالح العربية والإسلامية، إذ إن مصالح العرب و المسلمين لا يمكن أن يدافع عنها إلا العرب و المسلمون أنفسهم.
نقلا عن مجلة الدراسات الإستراتيجية، المجلد الخامس، العدد (17)، البحرين، يناير2010، ص ص.117-132. (بتصرف).
(*)باحث في العلاقات الدولية فاس – المغرب
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الأربعاء, 12 يناير/كانون ثان 2011 14:48 )
|