|
|
من يخمد نارك يا أقصى؟؟ بقلم : جهان مغربي |
|

إذا كنت مارا هذا الصباح باكرا بقرية سلوان،و سمعت طرقا يكسر ما عرفت به من سكون،فلا تقلق لأن ذاك الصوت بالتأكيد قادم من ذلك البيت المهتري الذي مازال إلى الآن يصارع مع الزمن يأبى أن يسقط بأي ثمن رغم كل محاولات الذين به و بأمثاله يتربصون،انه صامد بصمود ساكنيه جيلا بعد جيل،يهمس لكل زائريه لا تنتظروا سقوطي فذاك أمر مستحيل،أما مصدر الصوت فلا تتردد في السؤال عنه لأن الكل يعرفه، انه :الشيخ أحمد يقطع الأخشــــــــــــــاب لزوجته، ويرتبها لها بكل عناية كما هي عادته، فهو يحرص على ذلك دائما ،منذ تزوجها قبل أكثر من ثلاثين عاما، و لم يمنعه من هذا كبر سنه،أو محاولات أبنائه في إقناعه،مازال مصرا على أن يقدم لها الخشب كل صباح بنفسه،و يشاهدها و هي تشعل نيران الفرن التقليدي أمامه ، ثم ينتظرها إلى أن تنهي طبخ الرغيف اللذيذ الذي يشهد كل سكان القرية أنها أفضل من تعده،كله و هما يتبادلان الحديث في سرور،لكنه اليوم يبدو شاردا على غير عادته فقد عادت به ذاكرته و هو يراقب نيران الفرن إلى ذكريات قديمة ،تعود لحوالي واحد و أربعين عاما، لن ينسى ذلك اليوم الرهيب طيلة حياته،كان يعتقد حينها أنه يملك الحق كغيره من الأطفال بسنه الصغير أن يقضي عطلة صيف سعيدة ببيت جدته،لكن لا،فقد أدرك يومها أنه محكوم مع كل صغار وطنه بالتعاسة و الشقاء،و المطاردة الدائمة من طرف الأعداء،بتهمة أنهم ولدوا في أرض يعشق أبناءها الاستماتة في الدفاع عن المقدسات،و ترفض رؤوسهم أن تنحني لغير خالقهم في زمن انبطحت فيه كل الرؤوس باستذلال للعدو و أذعنت، فقد كاد يفقد في تلك العطلة المسجد الغالي على قلبه،لولا أن الرحمان حماه،لكنه يدرك أن الخطر مازال يحيط به،فمازال في دولة بني صهيون،العشرات من أمثال مايكل روهان،الذي سولت له نفسه ذات يوم أن يضرم في الأقصى النار بواسطة مواد قابلة للاشتعال،فأتت النار على أكثر من ثلثه،حيث عبثت ألسنتها بمنبر القائد صلاح الدين الأيوبي الذي خلص بيت المقدس ذات يوم من الصليبيين، و كذا مسجد عمر بن الخطاب - الذي لن تنسى القدس أبدا نبرته الحادة وهو يردد عندما هم بدخولها : نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فان ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله،قد أظهر التاريخ يا عمر صدق كلامك و أذل الله إلى أسفل سافلين كل من تخلى عن الإسلام من المسلمين - ومحراب زكريا حيث دعا الرحمان أن يرزقه بيحيى، ومقام الأربعين، كما تضررت أجزاء من القبة الداخلية المزخرفة والجدران ، وتحطم ثمانية و أربعون شباكا من شبابيك المسجد المصنوعة من الجبس والزجاج الملون، واحترق السجاد وكثير من الزخارف وآيات القرآن ، و ليس هذا فقط فما زاد من بشاعة الجريمة أن الكثيرين تواطؤوا معه منذ البداية ،ووفروا له كل ما احتاج من حماية،فقد استطاع أن يبلغ بكل سهولة المحراب حيث أضرم النار ، في الوقت نفسه قطعت عن المسجد و كل المنطقة المحيطة به المياه ،و تأخر وصول سيارات الإطفاء التابعة لسلطة الاحتلال،و علت أصوات المقدسيين في كل حارة و بيت : أنقذوا الأقصى ،أطفئوا نيرانه،مازالت أصواتهم ترن إلى الآن في أذنه،قفز يومها مسرعا من سريره و نظر من شباكه فإذا به يلمح حريقا يلتهم أقصاه،كان قد عاد لتوه من صلاة الفجر فيه، لكنه لم يجلس ليفكر كثيرا بل قفز بحركة سريعة نحو الخارج و سارع للذود عن مسجده و المشاركة في إخماد ناره،أي طفل من أرضنا كان ليهرب خائفا و يختبئ في أحد زوايا بيته أو ربما يسرع مذعورا ليختبئ بين أحضان جدته،أو على الأقل يخرج من باب منزله ليرى ردة فعل جيرانه،غير أن أحمد الصغير لم يكن لديه وقت يضيعه،فقد كان خوفه على الأقصى أكبر من خوفه على نفسه،و لم يشغل تفكيره سوى إنقاذه، فمضى الطفل أحمد مسرعا دون أن ينظر خلفه عفوا،هل قلت عنه صغيرا؟عذرا و الله عذرا،فان كان صغيرا كيف يكون الكبار؟ عفوا،هل قلت عنه طفلا؟قد أخطأت مجددا القول،فان كان طفلا كيف يكون الرجال؟ قد نسيت لا بد أن أخبرك أنه في هذه الأرض المقدسة لا يوجد أي طفل،لا تستغرب هكذا و لا يدهشنك ما أقول،سأعيدها حتى لا تحسب أن لساني قد أخطأ و زل،أجل...لا يوجد أي طفل،ففي بطون أمهاتهم تجري بشرايينهم دماء الشهداء الزكية،و تنبض قلوبهم باسم الحرية،و تمتلئ أرواحهم بعشق فلسطين الأبية،و بمجرد ولادتهم تتقوى بحليب البطولة أجسادهم،و يتلقنون منذ نعومة أظفارهم، أن كل شيء يهون في سبيل المقدسات و الدين،في سبيل الحبيبة فلسطين،و لأن مهمتهم جد صعبة لا وقت لديهم ليكونوا أطفالا،فهم منذ ولادتهم يتعلمون أن يكونوا رجالا،يتعلمون أن يرفعوا بكل فخر رؤوسهم نحو السماء ،و يمضوا بلا خوف نحو الأعداء،يتحدون الموت بصدور عارية و أجساد خلت من كل سلاح إلا قوة الإيمان،بصغارهم و كبارهم يتسابقون نحو الجنان،و هذه حقيقة أمثالي و أمثالك قد يفضلون تصنيفها في خانة الخيال أو المعجزات التي قد يصعب أن يحققها كل إنسان،لعلهم يبررون بها جبنهم و ضعفهم،و يرتاحون و لو قليلا من عذاب ضمير يحتضر في أعماقهم،أو قد يصرخون في استياء،كفاك من هذا الهراء،فالرواية عن شيخ في الخمسين،و قد ولى زمن البطولات ذاك منذ سنين،دعني أخبرك أولا ألا تصرخ فالصراخ يدل على ضعفك،و افتح هيا إن كنت لا تصدق شاشة تلفازك،ابحث فيها و دعها بالحقيقة تخبرك،انظر عبرها و حدق في عيونهم بكل قوتك،هل ترى طفلا هناك؟أنت تعرف جيدا في قرارة نفسك أن كل من تلمحهم الآن عيناك لن يترددوا لحظة واحدة في أن يلبوا نداء الأقصى كما فعل أحمد،و سيركضون نحوه مثله بلا تردد،و يساهمون مع العشرات من أمثالهم في إنقاذه،دون أن يتراجعوا لحظة و لو كلفهم الأمر أن يقدموا حياتهم لحمايته،يومها لم يبخل أحمد و لا أي من المقدسيين بكل ما أوتوا من قوتهم فاستعانوا بالبراميل ونقلوا المياه يدويا من الآبار الموجودة في ساحات الحرم القدسي الشريف وأخرجوا السجاد المحترق إلى الساحات الخارجية، و لم يقدم لهم الدعم إلا بعض سيارات الإطفاء العربية القادمة من الخليل و رام الله التي استطاعت بصعوبة بلوغ المكان،و شاركتهم في إحاطة النار و منعها من الانتشار،قبل أن ينجحوا في إخمادها رغم أن المسجد أصابته العديد من الأضرار. كان العالم العربي يومها لم يشف بعد من جروح نكسة 1967،و لم يكن قادرا بعد على تصديق أن ذاك الكيان الغاصب المسمى إسرائيل قد فرض سيادته على قدسهم و تمكن من هزيمتهم،و ما هي إلا سنتين حتى استيقظ أبناءه على فاجعة إحراق الأقصى فجر الواحد و العشرين من غشت لسنة 1969 من طرف الصهيوني "مايكل روهان" وعلموا أنه قد انتشرت في المسجد النيران لتحرق مساحة قدرها 1500 متر مربع من إجمالي مساحة المسجد القبلي البالغة 4400 متر مربع وهي ما يعادل حوالي ثلث مساحته،و يصل إلى مسامعه أن العدو لم يساعد بأي شكل في إخماد ناره،لكنه رغم ذلك يقف مكتوف الأيدي يشاهد مهزلة من أكبر مهازل التاريخ سواء القديم أو المعاصر،و مسرحية سخيفة من أسخف ما عرف الدهر،فقبل دون أن يحرك ساكنا حكم المحكمة على محرق الأقصى بتبرئته و إطلاق سراحه، ثم إرساله إلى أستراليا موطنه،بحجة أنه مجنون معتوه،و سيكون من الظلم عقابه،فمثله لا سلطة لديه على أفعاله،ولم تكن تلك الوحيدة في سلسلات الجرائم التي عانى منها الأقصى و غيره من عشرات المساجد عبر ربوع فلسطين،كله دون أن تمتد أي يد لتوقف بقوة جموع الظالمين, حدقت أم عماد بعيني زوجها أحمد، و ما إن لمحت شرارة النار في عينيه،و دموعا عالقة يمنعها من الانسياب كي لا يفضح أمره، حتى أدركت ما يجول بذهنه،و خاطبته تقول : - بعد غد السبت هو ذكرى إحراق الأقصى، أليس كذلك؟هذا ما يشغل تفكيرك،لا زالت نيرانه تشتعل في أعماقك،ومازال ذاك المشهد الرهيب يأبى أن يفارق مخيلتك،لا تحسبن أنك الوحيد فمازال العشرات من أمثالك،عاجزين عن إطفاء لهيب أشعلته تلك المحرقة في أعماقهم،حتى الذين لم يشاهدوها مثلك بأم أعينهم منهم. - إن أكثر ما يغيظني يا أم عماد أنهم دائما ما ينعتون مجرميهم بالجنون،و يجعلونهم بسهولة من كل ما نسب إليهم يتملصون،في محاكمة يكون فيها الجناة هم أنفسهم المحامون و القضاة،و يقف أصحاب الحق في كل مرة بقفص الاتهام أمام مرأى عيون العالم ابتسمت في هدوء زوجته، و قالت و هي تنزع عن الرغيف ما علق من حصا به : - لا تغضب هكذا،لا تغضب،فحكمهم و الله قد أصاب،إني ما أظن أنهم أخطأوا حين قالوا عن مجرميهم مجانين،فلا يمكن إلا أن يكون مجنونا كل من يحاول أن يتحدى أبناء فلسطين،أليس جنونا أنهم لازالوا لليوم يحلمون بطردنا منها،لا يدركون أن تشبتنا بها أكبر من تشبت الأشجار الباسقة بجذورها،لطالما كانت أجسادنا و أجساد آبائنا ذاك السياج الذي يطوق دولة المجانين ليمنعها من أن تمد طاغوتها عبر ربوع العالم و تستمر في إيذاء الآخرين،و كذلك أجساد أبنائنا أيضا ستكون،فنحن ندرك جيدا أنهم جميعا بنفس اللؤم،كلهم مجرمون،كلهم لعشرات الأفكار السوداء في رؤوسهم يحملون،و أقل ما قد يوصف به أمثالهم هو الجنون. - قد صدقت فقد صدر الحكم منهم لا من غيرهم،إنهم مجانين جميعا بكل مجرميهم،بصغارهم بكبارهم،برؤسائهم و قضاتهم،و كل من يسير على دربهم،و نحن بالتأكيد لن نسمح لأمثالهم أن يطردونا من أرضنا، أو يسلبوا منا أقصانا - أجل،و غدا ان شاء العزيز المنان، منذ الصباح الباكر سننطلق صوب الأقصى الحبيب بلا توان،لنصلي هناك الجمعة الثانية من رمضان،و نعلن تشبتنا بكل حبة رمل فيه،ثم ندعو الرحمان أن يقوينا لنطرد من أرضنا كل أعداء دينه. - صدقت، غدا على بركة الله، نصلى الجمعة بالمسجد الأقصى بإذن الله هكذا انتهى الحوار،بعزم و إصرار،على الصلاة بالمسجد الأقصى و الاستماتة في الدفاع عنه حتى النفس الأخير،و هكذا لا بد هو الحال في كل بيت من بيوت فلسطين،فكل من يستطيع عازم على شد الرحال نحو الأقصى في الغد،بقلب يتوجع لذكرى أليمة عاجز على أن ينساها رغم كونها ليست إلا واحدة من تاريخ شعبه المرير الملطخ بالدماء،لكنه لم يفقد بعد في زمن الذل هذا أمله برب السماء،و سيظل بانتظار اليوم الذي تخمد فيه فعلا ما تشتعل بالأقصى من نار،على أيدي جيوش التحرير. فهل من ملب للنداء بين جموع المسلمين،و هل من رجل يتوق ليكون صلاح الدين،وينظف الأقصى من الغاصبين المحتلين،و يمسح عن أمتنا عارا علق بها منذ هانت عليها نفسها و عرجت عن درب الصحابة و الصالحين من التابعين؟
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الأحد, 29 غشت/آب 2010 13:43 )
|