كتب معراج المغاربة    الأربعاء, 17 غشت/آب 2011 13:12    | طباعة |  البريد الإلكترونى
العبور إلى غزة (الحلقة 14)/د. عبد القادر عمارة

رباطات المجاهدين
حوالي منتصف الليل، خرج الأخوين من فندق غزة الدولي بمعية الأخ محمد فرج الغول، وزير العدل في الحكومة الفلسطينية، ووجدا في انتظارهما سيارة مدنية عادية قديمة نوعاً ما. وبعد دردشة قصيرة مع الأخ الوزير، امتطى الأخوين السيارة، حيث وجدا بالإضافة إلى السائق شخصاً آخر يرافقه. لقد كان الإثنان شابين في مقتبل العمر. انطلقت السيارة في دروب وأزقة غزة، التي كانت معظمها غارقة في سواد الليل الحالك. لقد كان واضحاً أن الشابين لهما دراية بمسالك غزة ودروبها، فقد كانت السيارة تلف يميناً وشمالاً ببراعة دون أن يستخدم سائقها الأضواء.
خيّم داخل السيارة صمت رهيب، إلا من بعض المكالمات المقتضبة يجريها الشابان من بضع هواتف محمولة يغيران شرائحها الإلكترونية بين الفينة والأخرى. لقد كان هناك إحساس عارم بالفخر المشوب بالرهبة يغمر الأخوين، رهبة مردها إلى خطورة هذه الزيارة في ظرف يعيث فيه الكيان الصهيوني فساداً في سماء غزة وأرضها، ويفرض قانون الغاب عليها، فهما يعرفان، كما الجميع، أن طائرات الصهاينة يمكن أن تقصف في كل لحظة ودون مقدمات أي سيارة يشتبه بها عساكرهم، دون مراعاة لمكان وجودها، أهو آهل بالسكان أم أرض خلاء؟ أما الفخر، فمن ذا الذي لا يغتنمها فرصة سانحة لزيارة رباطات المجاهدين، وقد أعلى الله عز وجل من شأنهم حتى قال عز من قائل "ولا تحسبن الذين  قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون"؟
استمرت السيارة في اختراق أزقة غزة لبعض الوقت حتى وصلت إلى أحد الأحياء وتوقفت. نزل أحد الشابين وغاب داخل الحي، لم تكن هناك حركة في الأزقة. وعاد الشاب المرافق للأخوين بعد بضع دقائق، وطلب منهما أن يترجلا من السيارة، ومشى الجميع متفرقين وراء الشاب حتى بلغوا ملتقى زقاقين وتوقفوا عن السير. كان المكان خالياً يلفه الظلام إلا من خيوط الضوء المنبعثة من بعض الدور، والتي لا تساعد على الرؤية الفاحصة، فبالكاد تبدو معالم الدور والأزقة. استعان أحد الشابين بمصباح يدوي خافت، وبعد لحظات طلع على الأخوين ومرافقيهما ثلاثة شبان ملثمين لا يرى منهم إلا بنادقهم الرشاشة وعدتهم القتالية. بعد التعارف وتبادل التحايا والعناق الأخوي الحار، جرت دردشة قصيرة مع المجاهدين الثلاثة الذين حيوا شعب المغرب من خلال الأخوين. أحد الملثمين، بعد أن طمأن الأخوين المغربيين على أحوال المجاهدين وعلو هممهم واستعدادهم للاستشهاد في سبيل الله، ذكرهما بمسؤولية المغاربة في المنافحة عن المسجد الأقصى، وكان  مما قاله أن أهل المغرب لديهم حي ينسب إليهم في بيت المقدس، وأن الصهاينة استباحوه وهدموه، فهل من هبة للمغاربة تربط حاضرهم بماضيهم، عندما هبّ المغاربة لنصرة القدس والمسجد الأقصى على عهد صلاح الدين الأيوبي. لقد كانت كلمات عفوية صادقة صادرة من أحد هؤلاء المجاهدين المبثوثين في غزة، وضع حياته في كفه ووهبها لله عز وجل نصرة لدينه ونصرة للمستضعفين من عباده. كان اللقاء قصيراً في مدته اعتباراً للظروف الأمنية، ولكنه كان ثقيلاً في معانيه ومضامينه، فالموقف هنا موقف عمل وبذل للغالي والنفيس يمحص فيها المخلصون من الأدعياء، حيث لا مكان للشعارات الطنانة والخطب الجوفاء، وحماسة مرتادي الفضائيات والصالونات.. أن يحمل الإنسان حياته في كفه يجود بها في سبيل الله أمر لا يستطيعه إلا من أتى الله بقلب سليم.. قبل فراق هؤلاء المجاهدين الملثمين، عاود الأخوان عناقهم من جديد كأنهما لم يرتويا من احتضانهم...
عادت السيارة من جديد تخترق الدروب والأزقة لتصل إلى أحد الأحياء المحاذية للشاطئ. لقد كانت هذه المنطقة أقل ظلاماً، حيث انعكست أضواء النجوم فبدت معالمها.. بيوت يسلم بعضها إلى بعض ثم عمارات. توقفت السيارة بعيداً عن الموقع الثاني للمقاومين، وترجل الأخوان ومرافقيهما، حيث مشى الجميع، كما في الموقع الأول، متفرقين لبضع دقائق، وبعد المرور من بعض المداخل في بعض العمارات وصل الجميع إلى موقع المجاهدين. وكانت المفاجأة أن هؤلاء استقبلوهم بوجوه مكشوفة. لقد وجد الأخوان شباباً في مقتبل العمر لربما في العشرينات يحملون سلاحهم وعدتهم. وكانت المفاجأة الثانية هي التحاق الأخ وزير العدل بالجميع.. خلال الربع ساعة أو يزيد عاش الجميع جلسة تربوية (أو وقفة لأن الكل كان واقفاً) عنوانها الجهاد في سبيل الله. هؤلاء الشباب (حوالي خمسة) في مقتبل العمر لا يزالون يتابعون دراستهم الجامعية، انخرطوا مع الأخوين في حديث خاشع ومهيب عن جهادهم وبطولاتهم. الصوت الوحيد الذي كانت يقطع هدوء المكان هو صوت "الزنزانة" التي تحلق على علو منخفض. فالزنزانة مصطلح محلي للإشارة إلى الطائرات الاستطلاعية بدون طيار التي يملأ بها الكيان الصهيوني سماء غزة. لقد كان هؤلاء الشباب، وهم يحملون أسلحتهم الرشاشة وعدتهم، يتحركون بخفة عالية رغم ثقل العتاد، و من الطريف ونزولاً عند طلب أحد الأخوين ألبسه المجاهدون لَأَمَة القتال وعدتها، فتحرك بصعوبة بالغة من مكانه! وأخذ المجاهدون الأخوين المغربيين في جولة استطلاعية خفيفة، حيث أروهم البوارج الحربية الصهيونية التي تراقب شاطئ غزة بدون انقطاع، ولا تتوانى عن إرسال صواريخها على كل ما قد يتحرك على الشاطئ، وأروهم كذلك "زنزانة" كانت تحلق في تلك الآونة فوق المنطقة، وحكوا للأخوين عن المواجهات التي وقعت في أحد الشوارع المحاذية للشاطئ، وعن بطولات المجاهدين وعناية الله بهم. لقد وجدوا شبابا بهمم عالية، مثقفاً ومكوناً تكويناً عالياً تعلو محيا كل واحد منهم ابتسامة المطمئن إلى قضاء الله وقدره.
عادت السيارة من جديد منطلقة في الدروب والأزقة حتى بلغت ملتقى بين دروب أربع. لقد كان الموقع الثالث والأخير لزيارة الأخوين. بالطبع توقفت السيارة بعيداً عن ملتقى الطرق هذا. لم يكن هناك ملثمون، بل شباب يتجمعون في أحد أركان ملتقى الطرق الذي يبدو موقعه استراتيجياً. هؤلاء الشباب لم يكونوا يحملون سلاحاً ولا عتاداً ولا عدة قتال. سألهم الأخوين، بعد التحايا والتعارف، فوجدوهم شباباً يدرس بجامعات غزة، يدرس بالنهار، ويرابط في مواقع الدفاع بالليل. ولكن كيف يدافعون وهم لا يحملون سلاحاً ويتحركون وهم مكشوفي الوجوه؟ سؤال تحرج الأخوين طرحه على هؤلاء الشباب. وكان الجواب بعد امتطاء السيارة من المرافقين أن هؤلاء المرابطين الذين يتوزعون في أحياء غزة، سلاحهم غير بعيد عن أماكن تجمعهم، فلا يفصلهم عنه إلا خطوات.
هكذا هم شباب غزة.. كفاح في التحصيل العلمي بالنهار، ورباط وجهاد بالنفس بالليل، فللّه ذرّهم.
يتبع
.................... غزيات
Comments
أضف جديد
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

تاريخ آخر تحديث ( الأربعاء, 17 غشت/آب 2011 13:16 )
 
جديد المقالات