|
|
قنافذ أمريكا الملساء / رضوان جراف |
|

بعد انتخاب اوباما على رأس الإدارة الأمريكية ودخوله البيت البيضاوي، طبل بعض المراهنين على أمريكا وزمروا لهذا الوافد الجديد، وعلقوا عليه الآمال، مبشرين بمستقبل جديد، يطوي صفحة الماضي ويعوضهم عن خيبات الأمل التي طالما حصدوها مع جورج بوش وسياسته الرعناء، ويعيد لهم بعض من حقوقهم المهضومة أو على الأقل أن يقف موقف متوازنا في قضاياهم الرئيسة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي كان الطابع المميز لعلاقة الحكومات الأمريكية معها هو الانحياز السافر للعدو الصهيوني، وهو أمر في اعتقادي لا يلامون عليه ماداموا مع العدو ينهلون من نفس المعين ولهم قواسم مشتركة في الماضي والحاضر والمستقبل، ولكن الذين يلامون في هذا الجانب هم من يراهنون على كسب صداقة كيان هو في الحقيقة صديق عدوهم الحميم والذي يعبر دائما على أن دعمه لعدوهم دعم غير محدود وغير مشروط، فكيف يكون صديق لك من كان صديق حميما لعدوك.
منذ تولي أوباما وقبل ذلك وخلال حملته الانتخابية، وهو يعدنا ويمنينا بأن رفع معاناة الشعب الفلسطيني الجريح ستكون على يده، وصدقه البعض من الذين لا يفهمون طبيعة العلاقة الأبدية التي تربط الولايات المتحدة الأمريكية بربيبتها (إسرائيل)، هو أمر يتجاوز حدود الرابط العقدية المتأصلة في ذهنية الأمريكيين والمسيحيين عموما التي تعتبر أن الإيمان بالعهد الجديد وتعاليمه لا يكون مكتملا إلا بالإيمان بالعهد القديم (التوراة) وتعاليمه، هذا من جهة ومن جهة ثانية، يعتقد كثير من المسؤولين في أمريكا، أن (إسرائيل) تمثل النموذج المعاصر لنشأة الولايات المتحدة الأمريكية، فمنظمة العدو الصهيوني تعيد كتابات نفس النصوص التاريخية التي كان المستعمرون البيض قد كتبوها إبان الرحلات الاستكشافية للأمريكيتين والتي قاموا خلالها بإبادة شعوب بأكملها والقضاء على حضارتها، فاستوطنوا أرضها وأسسوا عليها حضارتهم الحالية. وبالتالي فنظرتهم لإسرائيل وما تقوم به من أعمال إبادة وتقتيل في أبناء الشعب الفلسطيني، ومصادرة أراضيه، لا يثير في أنفسهم أي ذرة شعور بالأسف ماداموا قد قاموا بتلك الأفعال من قبل، بل ينظرون إليها على أنها تدخل أولا في إطار الواجب المقدس الذي ينسجم مع روح تعاليم العهدين القديم والجديد، الذي يؤمنون به و يتمنون على الله أن يتحقق في الواقع، وثانيا ينسجم مع تطلعات بناء كيان مستقل لليهود، وبالتالي فالضحايا الذين لا يسقطون من الجانب الآخر وتصادر أراضيهم ويشرد أهلهم وذويهم في مختلف دول العالم هؤلاء لا عزاء لهم عند الغرب عموما والإدارة الأمريكية على وجه الخصوص.
هذه العلاقة المركبة التي تربط أمريكا بالمغتصبين الصهاينة كثير ما يتغاضى عنها القائمون على الأمر سواء داخل فلسطين أو خارجها من المسؤولين والحكام في العالم العربي، على الرغم من أن الانحياز الأمريكي للصهاينة لم يتغير عبر تاريخ الصراع وهو ما فتأت الإدارة الأمريكية تعبر عنه بالقول والعمل في كل المحافل الدولية، وكان آخره رفض أوباما مقترح إعلان قيام دولة فلسطين، وما صرحت به وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في دعوتها لعباس ومن معه من المهرولين بضرورة الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع العدو الصهيوني دون شروط مسبقة، في إشارة إلى اشتراط وقف بناء المستوطنات قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.
هذا الانحياز الواضح والسافر المعهود من الإدارة الأمريكية، والتشبث العربي بهذه الإدارة لتحقيق سلام مستحيل، يؤكد مدى الضعف والوهن الذي وصلت إليه هذه الأنظمة العربية، ويبرز حقيقة العلاقة التي تربط العالم العربي بالعالم الغربي عموما وخاصة الإدارة الأمريكية، هذه العلاقة القائمة على التوسل كما عبر عنه وزير الخارجية القطري، فالفلسطينيين ومن ورائهم العرب يبدوا أنهم مقتنعين بأن أمريكا لن تكون إلى جانبهم يوما ما ولكن منطق الضعيف المغلوب على أمره يقتضي التوسل من القوي المستعلي، هذا إذا افترضنا أن الولايات المتحدة الأمريكية قوية إلى درجة ترعب الدول العربية مجتمعة، رغم أن أرجلها مغمورة في مستنقعات العراق وأفغانستان.
إن التمسك بسياسة التوسل التي تطبع المسار العربي في إدارة القضايا الشائكة التي تهم شؤون منطقة الشرق الأوسط، تطرح كثير من التساؤلات حول السر الذي يجعل قيادات منظمة التحرير الفلسطينية يمسكون بتلابيب الإدارة الأمريكية، رغم معرفتهم المسبقة بأن نتائج علاقاتها مع الكيان الصهيوني تصب بعيدا عن طموحات شعبهم، إلا إذا كان الأمر يتعلق بمصالح أخرى لا يعلمها إلا هم.
ما وقع و ما يقع الآن من أحداث ربما يجعل بعض المتتبعين للشأن الفلسطيني يرددون " ما أبركك يا زوج أمي الأول" مادام أن الإدارة الأمريكية السابقة كانت أكثر وضوحا في موقفها من القضية الفلسطينية، فهي على الأقل لم يكن منطقها يفاصل سلوكها، فهي كانت تعبر عن دعهما (لإسرائيل) بالقول وتصدقه بالعمل، وبالتالي كانت كل الأمور واضحة بالنسبة للجميع، بينما الإدارة الحالية مرتبكة في القول وإن كان الدعم العملي مستمرا لم ينقطع ولن ينقطع في يوم من الأيام، مما سيدفع الكثيرين للاعتقاد أن هذه الإدارة تختلف عن سابقتها.
ورغم كل ذلك فإن الاستمرار في المراهنة على الإدارة الأمريكية في حل القضية الفلسطينية رغم عدم إحراز أي نتائج تذكر طيلة هذه المدة يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول صدقية المجهودات التي يبذلها هؤلاء في سبيل حل هذه القضية، على اعتبار أن حتى الحصول على موقف متوازن للإدارة الأمريكية وغير متحيز إلى طرف دون آخر حول القضية يبدو بعيد المنال، طالما أن أمريكا هذه لا تعير أي اهتمام للدم الفلسطيني المسفوك، مهما تبدلت الوجوه وتعاقب الرؤساء، كما أنه ليس بين القنافذ أملس فإن السياسة الساسة الأمريكيين واحدة، إلا من يرى عكس ذلك لحاجة في نفسه لا يعرفها إلا هو ومن معه من المهرولين نحو بيع القضية لمن يدفع أكثر.
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الإثنين, 11 أكتوبر/تشرين أول 2010 12:32 )
|