|
|
منظومة القيم في فلسفة التربية والتكوين بالمدرسة المغربية / الدكتور سعيد بنحمادة |

مقدمات ممهدات: يقصد بالقيمة في المعنى اللغوي الثمن. أما دلالتها الفلسفية فتتعلق بمجموع المعتقدات والاختيارات والأفكار التي تحكم تصرف الفرد ومواقفه، وتحدد درجة ارتباطه بجماعته، وتوجه نظرته إلى الوجود. ومن ثم فالقيم تقوم على الإحساس والفعل والهدف.
وعادة ما تقترن القيم بأحكام تقديرية تتعلق بما ينبغي أن يكون، وهي غير الأحكام الواقعية التي تقرر الواقع على ما هو عليه أو كما هو موجود. كما تنقسم القيم الى قسمين: قيم غائية، وقيم وسائل. أما القيم الغائية فهي القيم التي تطلب لذاتها، وهي قيم مطلقة لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان أو الأحوال؛ ومن أمثلتها قيم الخير والجمال والحق. وأما قيم الوسائل فهي التي تكون وسيلة لتحقيق قيمة أعلى منها، وتكون نسبية وقابلة للتغيير حسب الزمان والمكان والأحوال؛ ومن أمثلتها قيمة المعرفة والصحة والثروة[1].
أما الحديث عن فلسفة التربية في المدرسة فمعناه استحضار الغايات الوجودية والأخلاقية القصوى للتربية؛ والتصورات التي يحددها المجتمع للمنظومة التربوية، التي لا تكتسب وظيفتها إلا من خلال أهدافها الكبرى، مما يجعل القيم مصدرا ونتاجا لتلك المقاصد في الوقت ذاته[2].
إن فلسفة التربية بهذا المعنى ((فرع من الفلسفة، والفلسفة كما هو معروف لا ترمي إلى المهارة في الفعل، ولا إلى المعرفة، بل قبل كل شيء إلى التساؤل عن كل ما نعتقد أننا نستطيعه ونعرفه))[3]. وفي علاقة التربية بالفلسفة فإن الأمر يقوم على ((التأمل والتفكير حول غايات التربية ووسائلها، وطرائق التعليم، وعند الاقتضاء حول المؤسسات التي تميزها))[4].
ففلسفة التربية تعنى بالقيم ومرجعياتها وكيفية تداولها وتمثُّلها من خلال المدرسة, ودورها في بناء شخصية المتعلم. فغايتها، إذا ما استعرنا لغة ابن مسكويه، تكمن في "تهذيب الأخلاق".
لذلك لم تغب المقاصد الأخلاقية للتربية عن الفكر الإسلامي؛ فقد كتب الصحابي الجليل سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء قائلا: ((إن العلم كالينابيع، يغشاه الناس، فيختلجه هذا وهذا، فينفع الله به غير واحد. وإن حكمة لا يُتكلم بها كجسد لا روح فيه، وإن علما لا يخرج ككنز لا ينفق منه. وإنما مثل العالم كمثل رجل حمل سراجا في طريق مظلم يستضيء به من مر به، وكل يدعو له بالخير))[5]. كما حدد العلماء المقاصد التعليمية الكبرى وحصروها في خمس كليات؛ حق النفس، وحق العقل، وحق الدين، وحق العرض، وحق المال؛ وهو ما اختصره القابسي في مفهوم الاستقامة في الدين؛ محددا إياها في ((مداومة المقام فيه على استوائه واعتداله، لا ينكب عنه يمينا ولا شمالا، ولا يلتزم فيه مالا))[6]. أما بالمغرب والأندلس فقد أوصى بها لسان الدين بن الخطيب بنيه؛ لمّا اعتبر ((أن بالعلم تستكمل وظائف ... الألقاب وتجلى محاسنها من بعد الانتقاب ... فالعلم مفتاح هذا الباب والموصل إلى اللباب ... والعلم وسيلة النفوس الشريفة إلى المطالب المنيفة، وشرطه الخشية لله تعالى والخيفة))[7].
وتعتبر التنشئة الاجتماعية من أبرز وظائف المدرسة؛ فهي تساعد المتعلم على تَمتُّل قيم المجتمع، ما دام أنها مؤسسة اجتماعية تربوية تسعى إلى الحفاظ على القيم وابتكارها في الآن نفسه، بشكل يجمع بين التمسك بالهوية الحضارية والتفاعل الإيجابي مع المنظومة العالمية للقيم[8].
ومن ثم تعددت الاتجاهات المتناولة لوظائف المدرسة، ومنها وظيفة القيم في علاقتها بالبنى المجتمعية ومدى التفاعل والتأثير المتبادلين بين المؤسسات التربوية وغيرها من المؤسسات كالأسرة وثقافة المجتمع.
ورغم تعدد التيارات التربوية في دراسة وظائف المدرسة، فيكاد علماء التربية يجمعون على ربط مهمات المدرسة بوظيفة التأصيل والمحافظة، والتكوين والإعلام، والتنشئة الاجتماعية. فالتأصيل والمحافظة يعنيان نقل ثقافة الماضي وتراثه عبر المدرسة، وتبسيطهما للناشئة بكيفية تجديدية ومنفتحة؛ فالمستقبل ((لا يمكن أن يتم تناوله من عدم، إننا لا نستطيع أن نبنيه إلا بواسطة أدوات تركها لنا الماضي)) [9]. وهذه الوظيفة تمثل إطارا مرجعيا يفيد في خلق الانسجام بين المتعلم ومحيطه المجتمعي، ويولد لديه الشعور بالهوية. إلا أن هذا البعد الوظيفي للمدرسة، ورغم أهميته، قد يغرق في تمجيد الماضي واستلهامه مما قد يرسخ الجمود الفكري، ما لم تخلق المدرسة علاقة جدلية بين الماضي والحاضر.
أما وظيفة التكوين والإعلام فتكمن في إعطاء معنى ودلالة للمعارف وفق نسق بنيوي موضوعي وعقلاني، يؤسس لفكر علمي يربط المعرفة بالواقع، حتى يكتسب المتعلم القدرة على التحليل والتركيب والنقد والاستنتاج، وإنتاج المعرفة عوض استهلاكها.
في حين تسعف وظيفة التنشئة الاجتماعية في استبطان الطفل للقيم والأعراف الاجتماعية؛ فهذه الوظيفة ((يقصد بها ما تقوم به المدرسة من أجل الوصول بالمتعلم إلى أن يكون في مستوى ما ينتظر منه من معرفة وسلوك، ليندمج في الوسط الاجتماعي والمجتمع عامة، على نحو يحقق التوازن في ذات الطفل من جهة، وفيما بينه وبين المجتمع من جهة أخرى)) [10].
ومن سمات تطور علوم التربية في الوقت الراهن الرجوع إلى العنصر البشري، وهو ما أسهم في ميلاد مناهج جديدة، يركز بعضها على البعد الأخلاقي في ميدان التربية والتكوين، والذي أفرز ما يسمى بـ"مدرسة القيم" و"المنهاج الأخلاقي"، الذي أعيد من خلاله الاعتبار للتربية الأخلاقية وعدم الاقتصار على المعرفة[11].
والمنهاج Curriculum في تعريفه ذي الصلة بمنظومة القيم هو ((مجموعة مشروعة وصادقة من المعتقدات، والقيم والمعارف والمهارات، وألوان التذوق والاتجاهات، من شأنها أن تدفع من يكتسبوها ... إلى القيام بأنماط معينة في التفكير وفي السلوك، يعهد بها إلى مؤسسة ثقافية ...(المدرسة) ويظطلع بتقديمها لمجموعات مختلفة من المتعلمين-مهنيون ملتزمون ... ينجحون في تقديمها بدرجات مختلفة، وتستخدم في تقديمها تنظيمات وطرق وأساليب ومواد تعليمية، تختار بعد تأمل جاد. وتتخذ بشأنها قرارات يسهم فيها ممثلون لمن لهم خبرة في تعليم مجموعات معينة من المتعلمين يعرفون خصائصها الثقافية والفعلية والاجتماعية والوجدانية))[12]. ولذلك من البديهي أن يستند "المنهاج الأخلاقي" أو "مدرسة القيم" إلى مرتكزات تكسب المتعلمين قيما وطنية وكونية.
وإذا كان تقرير التنمية البشرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الصادر عن البنك الدولي في فبراير 2007 تحت عنوان "الطريق غير المسلوك: إصلاح التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، وهو التقرير السادس عن التنمية في المنطقة، لم يهتم بالموضوع بسبب تركيزه على دور التعليم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية[13]، فإن تقارير أخرى أولت موضوع القيم وعلاقتها بالمنظومة التربوية مكانة خاصة.
ويمكن أن نذكر في هذا الصدد "الإعلان العالمي للتعليم العالي للقرن الواحد والعشرين" الذي صدر عن المؤتمر العالمي حول التعليم العالي الذي نظمته اليونسكو أواخر سنة 1999، والذي نصت بعض بنوده على القيمة التربوية المضافة إلى مهام الجامعة في ظل العولمة، والمتمثلة في المساعدة على فهم الثقافات الوطنية والإقليمية والدولية وحفظها وتنميتها في جو من التنوع والتعدد والتكامل، وترسيخ قيم الديمقراطية والحوار والتسامح والمساواة والحرية والعدالة، لإقرار السلم الاجتماعي والتعايش بين الأمم وضمان السلام العالمي. و"الإعلان العالمي حول العلم واستخدام المعرفة العلمية في القرن الواحد والعشرين" وإطار العمل المرفق به، الصادرين عن المؤتمر العالمي حول العلم للقرن الواحد والعشرين: تعهد جديد، المنعقد ببودابست بهنغاريا في يونيو 1999 بتعاون بين اليونسكو والمجلس الدولي للعلوم، والذي عالج التحديات الجديدة التي تواجه العلماء في القرن 21، ومكانة العلم في المجتمع، والأبعاد الأخلاقية والبيئية لتوظيف المعرفة[14].
إن الحضور المكثف للقيم في الدراسات التربوية الأكاديمية والمنتديات العالمية يكشف ما للمنظومة القيمية من أثر في وظائف المدرسة، وهو ما تنبهت له الأدبيات المحددة لنظام التربية والتكوين بالمغرب.
القسم الأول: المرجعيات: يشكل الدستور والميثاق الوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض الوثائق القانونية والتربوية الأساس للاختيارات والتوجهات التعليمية.
فقد جعل الميثاق الوطني من منظمومة القيم مرتكزات ثابتة، وحصرها في: قيم العقيدة الإسلامية؛ وقيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية؛ وقيم المواطنة؛ وقيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية.
فنظام التربية والتكوين للمملكة المغربية يهتدي بمبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية إلى تكوين المواطن المتسم بالاستقامة والصلاح, والمتصف بالاعتدال والتسامح, والشغوف بطلب العلم والمعرفة في أرحب آفاقهما, والمتوقد للاطلاع والإبداع, والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والإنتاج النافع.
كما يهدف النظام التربوي إلى الالتحام بكيان البلاد العريق القائم على ثوابت ومقدسات يجليها الإيمان بالله وحب الوطن والتمسك بالملكية الدستورية؛ يربى عليها المواطنون مشبعين بالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العام والخاص وهم واعون أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم, ومتمكنون من التواصل باللغة العربية, ومتفتحون على اللغات الأكثر انتشارا في العالم, ومتشبعون بروح الحوار, وقبول الاختلاف, وتبني الممارسة الديمقراطية، في ظل دولة الحق والقانون. مثلما يتأصل النظام التربوي في التراث الحضاري والثقافي للبلاد, بتنوع روافده الجهوية المتفاعلة والمتكاملة، ويستهدف حفظ هذا التراث وتجديده, وضمان الإشعاع المتواصل به لما يحمله من قيم خلقية وثقافية.
ومن ثم يندرج النظام التربوي في حيوية نهضة البلاد الشاملة, القائمة على التوفيق الإيجابي بين الوفاء للأصالة والتطلع الدائم للمعاصرة, وجعل المجتمع المغربي يتفاعل مع مقومات هويته في انسجام وتكامل, وفي تفتح على معطيات الحضارة الإنسانية العصرية وما فيها من آليات وأنظمة ترسخ حقوق الإنسان وتدعم كرامته.
لذلك ينطلق إصلاح نظام التربية والتكوين من جعل المتعلم في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال العملية التربوية التكوينية. وذلك بتوفير الشروط وفتح السبل أمام أطفال المغرب ليصقلوا ملكاتهم, ويكونون متفتحين مؤهلين وقادرين على التعلم مدى الحياة.
ويقتضي بلوغ هذه الغايات -حسب الميثاق الوطني للتربية والتكوين- الوعي بتطلعات الأطفال وحاجاتهم البدنية والوجدانية والنفسية والمعرفية والاجتماعية, كما يتطلب في الوقت نفسه نهج السلوك التربوي المنسجم مع هذا الوعي, من الوسط العائلي إلى الحياة العملية مرورا بالمدرسة. ومن ثم، يقف المربون والمجتمع برمته تجاه المتعلمين موقفا قوامه التفهم والإرشاد والمساعدة على التقوية التدريجية لسيرورتهم الفكرية والعملية، وتنشئتهم على الاندماج الاجتماعي، واستيعاب القيم الدينية والوطنية والمجتمعية.
وبناء على ذلك ينبغي لنظام التربية والتكوين أن ينهض بوظائفه كاملة تجاه الأفراد والمجتمع وذلك بمنح الأفراد فرصة اكتساب القيم والمعارف والمهارات التي تؤهلهم للاندماج في الحياة العملية.
لذلك تسعى المدرسة المغربية الوطنية الجديدة إلى أن تكون مفعمة بالحياة, بفضل نهج تربوي نشيط, يجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي, والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي، ومفتوحة على محيطها بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة, والخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن, مما يتطلب نسج علاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي.
ونتيجة لذلك لم تعد التربية حكرا على المدرسة وحدها فقط، بل اعتبرت الأسرة المؤسسة التربوية الأولى التي تؤثر في تنشئة الأطفال وإعدادهم للتمدرس الناجح.
ولترسيخ منظومة القيم حدد الميثاق أسس التعبئة الوطنية لتجديد المدرسة وفق زمن عميق يندرج ضمن السيرورة التاريخية لتقدم البلاد ورقيها؛ بإعلان العشرية 2000-2009 عشرية وطنية للتربية والتكوين، وإعلان قطاع التربية والتكوين أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية.
وجاءت الاختيارات البيداغوجية في الأسلاك التربوية بالمدرسة المغربية، لتحدد المواصفات الخلقية والتربوية حسب كل سلك؛ والمتمثلة أساسا في التشبع بالقيم الدينية والخلقية والوطنية والإنسانية الأساسية ليصبح التلاميذ مواطنين معتزين بهويتهم وبتراثهم وواعين بتاريخهم ومندمجين فاعلين في مجتمعهم، وتمتين معرفته بحقوق الإنسان وحقوق المواطنين المغاربة وواجباتهم. كما اعتبر يوم افتتاح المدرسة يوم عيد يطلق عليه اسم "عيد المدرسة"، والانتقال من "التربية الوطنية" إلى "التربية على المواطنة".
وحتى تستجيب البرامج الدراسية للتطور الذي يعرفه المجتمع، فقد روعي فيها انفتاحها على المحيط الثقافي والاجتماعي، وذلك انسجاما مع روح الاتفاق المبرم بين وزارة التربية الوطنية ووزارة حقوق الإنسان في 26 دجنبر 1994، والهادف ((إلى دعم نشر ثقافة حقوق الأنسان عبر المناهج الدراسية، لجعل المتعلم قادرا على اكتساب المبادئ والمفاهيم التي تؤسس عليها حقوق الأنسان، وعلى اتخاذ مواقف وسلوكات تعبر عن وعيه بحقوقه، واحترامه لحقوق غيره والدفاع عنها)). وأن ((تحقيق هذه الأهداف يتطلب: على المستوى المعرفي، تعزيز مبادئ ومفاهيم حقوق الأنسان المدرجة ضمن البرامج والمضامين الدراسية. على مستوى المواقف والسلوك، تعزيز الممارسات التربوية التي ينبغي أن تنعكس بشكل أكثر إيجابية على منهجية التدريس، وعلى العلاقات التربوية بين مختلف مكونات الوسط المدرسي))[15].
وتماشيا مع ذلك تمت العناية بالأشخاص ذوي الحاجات الخاصة كالأشخاص المعاقين, أو الذين يواجهون صعوبات جسمية أو نفسية أو معرفية لتيسير اندماجهم في الحياة الدراسية والعملية. وبالمثل تميز الميثاق الوطني بمرونة وبعد حقوقي يراعيان تطلعات المجموعات ذات الحاجات الخاصة كالجاليات المغربية في الخارج التي وضعت رهن إشارتها الأطر والمرجعيات التعليمية اللازمة لتمكين أبنائها من تعلم اللغة العربية والقيم الدينية والخلقية والوطنية، وتاريخ المغرب وجغرافيته وحضارته، مع مراعاة ما يطبعها من تنوع وتكامل. كما فتحت مؤسسات التعليم العام والخاص أمام أبناء اليهود المغاربة على قدم المساواة مع مواطنيهم المسلمين، وإعفائهم من الدروس الدينية على أساس الحق الدستوري في ممارسة الشعائر الدينية.
وقد اعتمدت المنظومة التربوية سياسة لغوية واضحة منسجمة وقارة تقوم على تعزيز تعليم اللغة العربية وتحسينه والتفتح على الأمازيغية، وإتقان اللغات الأجنبية. لأن من شأن التكامل اللغوي في نظام التربية والتكوين أن يراعي تعدد الروافد المخصبة لتراث البلاد، وموقع المغرب الجغرافي الاستراتيجي كملتقى للحضارات، ويستجيب لروابط الجوار بأبعاده المغاربية والإفريقية والأروبية، ولاندراج البلاد في مد الانفتاح والتواصل على الصعيد العالمي.
وتدعيما لمنظومة القيم التي نص عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين حدد الكتاب الأبيض الاختيارات والتوجهات في مجال القيم وأجملها في ترسيخ الهوية المغربية الحضارية والوعي بتنوع روافدها وتفاعلها وتكاملها، والتفتح على مكاسب الحضارة الإنسانية المعاصرة ومنجزاتها، وترسيخ الوطنية وتعزيز الرغبة في خدمة الوطن، وتعميق حب المعرفة وطلب العلم والبحث والاكتشاف، والإسهام في تطوير العلوم والتكنولوجيا الجديدة، وتنمية الوعي بالواجبات والحقوق، والتربية على المواطنة وممارسة الديموقراطية، والتشبع بروح الحوار والتسامح وقبول الاختلاف، وترسيخ قيم المعاصرة والحداثة، والتمكن من التواصل بمختلف أشكاله وأساليبه، وتنمية الذوق الجمالي والإنتاج الفني والتكوين الحرفي في مجالات الفنون والتقنيات، وتنمية القدرة على المشاركة الإيجابية في الشأن المحلي والوطني.
وتفعيلا لذلك وضعت آليات ووسائل للاستجابة للحاجات الشخصية للمتعلمين، والمتمثلة في الثقة بالنفس والتفتح على الغير، والاستقلالية في التفكير والممارسة، والتفاعل الإيجابي مع المحيط الاجتماعي على اختلاف مستوياته، والتحلي بروح المسؤولية والانضباط، وممارسة المواطنة والديموقراطية، وإعمال العقل واعتماد الفكر النقدي، والإنتاجية والمردودية، وتثمين العمل والاجتهاد والمثابرة، والمبادرة والابتكار والإبداع، والتنافسية الإيجابية، والوعي بالزمن والوقت باعتبارهما قيمة أساسية في المدرسة والحياة، واحترام البيئة الطبيعية والتعامل الإيجابي مع الثقافة الشعبية والموروث الثقافي والحضاري المغربي.
وقد حدد الكتاب الأبيض جملة المواصفات المرتبطة بالقيم والمقاييس الاجتماعية نجمل بعضها في الجدول التالي:
القسم الثاني: الإنجازات والعوائق والاختلالات
أ- "تقرير 50 سنة من التنمية البشرية: آفاق سنة 2025": وقف التقرير على تعثر الوظيفة الاجتماعية للمدرسة العمومية بالمغرب من خلال ضعف تمكنها من ترسيخ قيم المواطنة والانفتاح والرقي. وبقدر ما يعود ذلك إلى البرامج والمناهج، فإنه يعزى أيضا إلى الميول المتطرفة لشريحة هامة من أساتذة المواد الحاملة للقيم والفكر.
كما أفرزت المنظومة التربوية ما نعته التقرير بـ"الخيبة اللغوية" و"الفجوة اللسانية" و"الفقر اللغوي" و"انعدام الأمن اللغوي"، وكلها مظاهر للتذبذب في تدبير السياسة اللغوية، والتي تتجلى في "عدمية لغوية" تقدم نفسها باعتبارها "تعددية لغوية" من جهة، و"شرخ لغوي" بين المدرسة العمومية ونظام التعليم الخاص من جهة أخرى.
فواقع الحال يؤكد أن التعليم بالمغرب يمر بأزمة المشروعية والمصداقية التي تغذي القصور الحاصل في مجال المعرفة؛ إذ تبقى الوظيفة الاجتماعية والثقافية للمدرسة داخل المجتمع نسبية المفعول، كما تشهد على ذلك ما تعانيه من صعوبة في نقل قيم المواطنة والانفتاح والتقدم.
وكان بإمكان القنوات الأخرى لنقل المعرفة، كالبحث العلمي والإنتاج الثقافي، أن تغطي النقص الحاصل في أدوار المؤسسة التربوية، غير أن العجز الكامن فيها هي الأخرى أثر على نقل تلك القيم، وأضر بجودة النقاش العمومي؛ إذ قلص ارتفاع نسب الأمية ومظاهر القصور التي تعرفها المدرسة من فرص المشاركة الواسعة للمواطنين في الحوارات العمومية الكبرى. ولذلك اعتبرت قضايا التربية والتكوين من "بؤر المستقبل".
لذلك بديهيا أن تستأثر منظومة القيم في علاقتها بالمدرسة بالاهتمام ضمن السيناريوهات التي وضعها التقرير للمغرب في أفق 2025. فالتصور الأول يحتمل أن يشهد المغرب استتباب تطور القيم الفردانية، ومجتمع الاستهلاك، اللذين سيشكلان رهانا خطيرا بالنسبة لتنظيم التضامن وتدبير التعدد. أما السيناريو الثاني الذي نعت بـ"المغرب المأمول"، فيرى أن النظام التعليمي سيكون قادرا على تكوين فئات مثقفة تتميز بالحس النقدي والبَناء، واعية بحقوقها وواجباتها، تحدوها روح المواطنة وإرادة الاستماع إلى الآخر والتحاور معه.
فتجديد المدرسة يتوقف على اندماج قوي للمغرب في مجتمع المعرفة، يمكن نظام التربية والتكوين من إنتاج قيم المواطنة، وضمان الرقي الاجتماعي، وتأسيس مدرسة يكون لها إشعاع في محيطها ومندمجة في بيئتها، وحاملة لأفكار التقدم، وقادرة على ربح رهان الجودة والاستجابة لمتطلبات القرن الواحد والعشرين.
لذلك كانت "أجندة 2025" حاملة لدعوة إلى التحلي بأقصى درجات اليقظة إزاء البرامج التعليمية، حتى تعمل على إشاعة قيم المواطنة والتسامح والديموقراطية وترسيخها عبر قناة المدرسة (مثال على ذلك: مراجعة تدريس التاريخ وفق هذا المطلب)، وتثبيت الممارسة الديموقراطية داخل الأقسام والمؤسسات التعليمية من خلال الممارسة المباشرة للحياة الديموقراطية من قبل التلاميذ، وإعادة محورة المدرسة على المعارف الأساسية، وترسيخ قيم المواطنة والتربية على الاندماج الاجتماعي، وإعطاء مكانة متميزة للثقافة في التربية وفي وسائل الإعلام عبر تثمين التراث والإنتاج الثقافي المغربي في مختلف صيغه وتعابيره مع الانفتاح على الثقافة العالمية، وإيجاد حل متوازن للمعادلة اللغوية القائمة بالمغرب، بالارتكاز على إسهامات اللغة العربية الكلاسيكية والأمازيغية والعربية الدارجة، وتجاوز الهوة اللغوية.
ب- "التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم لعام 2008": أكد التقرير أن التدبير القويم للمدرسة ((يعتبر شرطا ضروريا لتحقيق تنمية بشرية عالية))، رغم أن المنظومة التربوية حاليا بالمغرب ((تشكل محط إحساس بالإحباط))، في وقت يتجه العالم نحو "سيادة اقتصاد المعرفة". ومن ثم كان التساؤل ملحا في التقرير حول ما إذا كانت المدرسة المغربية قادرة على الإسهام في ترسيخ مجتمع مواطن؟ وهل تنجح فعلا في القيام بدورها بوصفها فضاء لتكافؤ الفرص وتعميم المعرفة؟ وحول طبيعة القيم التي ترسخها المدرسة المغربية اليوم؟ وما معناها بالنسبة للمتعلمين؟ لذلك كانت الحيرة منصبة على كيفية العمل من أجل إنجاح مشروع مدرسي للجميع.
تبدو وظيفة المدرسة في التقرير جلية على نحو يجعلها ((أفقا مشتركا لمختلف المعنيين بالشأن التربوي، وذلك لتزويد مواطني الغد بالمعارف والكفايات والقدرات الاجتماعية الأساسية ... من هذا المنطلق، ترتكز مهمة المدرسة على تعلم المعارف والكفايات الأساسية للمتعلمين حتى يتمكنوا من تحقيق طموحاتهم الفردية، وذلك لضمان اكتساب المعارف التي تهدف إلى تنشئة المتعلم وإعداده للحياة العملية)). ومن جملة المحددات التي رصدها التقرير جعل المتعلم واحتياجاته في قلب الإصلاح، وإزالة الإكراهات الخارجة عن مسؤولية المدرسة؛ ففي نظر واضعيه أن التصدي لأهم العوائق أمام تحقيق مردودية جيدة، من قبيل محاربة السلوك اللامدني، من شأنه أن يمكن المدرسة من الاضطلاع بوظائفها على الوجه الأمثل.
كما أن منظومة القيم في المدرسة المغربية تتجلى أيضا من خلال مهام المدرس ومتطلبات مهنة التدريس، هو ما حاول تقرير المجلس الأعلى للتعليم استقاءه في جزئه الرابع معتمدا في ذلك على الأدبيات الأكاديمية في غياب تعريف صريح في النصوص التنظيمية. فتلك المهام تتمثل داخل القسم في نقل المعارف والمهارات ومناهج التعليم والقيم الوطنية والكونية، وتطوير القدرات الشخصية لأكبر عدد من التلاميذ في أحسن الظروف. وعليه فوظيفة المدرس يعكسها إسهامه في تربية المتعلمين اعتمادا على القيم الأخلاقية والإنسانية والحضارية التي يتقاسمها الجميع.
ورغم أن التوجهات التربوية خلال العشرية المنصرمة ارتكزت على التربية على قيم المواطنة، فإن المنظومة التربوية حاليا تواجه صعوبة في ترسيخ القيم؛ إذ يبدو أن المدرسة لا تزال عاجزة عن نقل قيم الحقوق والواجبات والمواطنة -بوصفها قيما ضرورية- لتحقيق اندماج اجتماعي فعلي للمتعلمين، كما تشهد على ذلك بعض المظاهر السلوكية والأخلاقية غير المدنية؛ كالعنف والغش في الامتحانات وعدم الحفاظ على المرافق المدرسية. علما أن تنمية القيم المدنية تعتبر مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع الذي أضحى، على العكس من ذلك، ينقل انحرافاته السلوكية إلى المدرسة بسبب ضرورة انفتاحها على محيطها.
إن أزمة القيم هذه تندرج ضمن مسألة التعبئة والثقة الجماعية في المدرسة التي تشكل، حسب التقرير، إحدى المحددات الخمس لاختلالات المنظومة التربوية بالمغرب؛ ذلك أن المحيط المدرسي لدى المجتمع والأسر والتلاميذ أنفسهم يعكس صورة أقل جاذبية عن المدرسة؛ فبعض حالات العنف المتكررة الصادرة عن فئة من المتعلمين تولد شعورا بانعدام الأمن في ذلك المحيط.
وقد ألحِقَ التقرير بنتائج لاستطلاع للرأي، حظيت خلالها منظومة القيم ومبادئ المدرسين بمكانة هامة؛ منها قيم الضمير المهني، والوعي بنبل المهنة، والإخلاص، والعطاء والاستقامة. وهو ما اعتبر في نظر المستجوَبين بمثابة ميثاق قيم المدرسين. غير أن المفارقة تسجل فيما يخص تمثلات القيم والمبادئ التي توجه مهنة التدريس ومستويات احترامها من قبل المدرسين، الذين يرون أن هناك التزاما نسبيا بقيم المهنة وأخلاقها.
أما السلوك الأكثر إدانة من لدن المدرسين أنفسهم فهو العقوبة البدنية داخل القسم، والدروس الخصوصية، والغياب غير المبرر، وعدم انخراط المدرسين, والتمييز بين التلاميذ، والتأخر المتكرر عن العمل، وعدم الاهتمام بمجهودات المتعلمين، وقبول الهدايا من آباء التلاميذ وأوليائهم. في حين اعتبرت اللامبالاة اتجاه القيم غير المدنية سلوكا غير مرغوب فيه. كما صنف الغش، وضعف انضباط التلاميذ ضمن المشاكل التي يعانيها المدرسون وتلامذتهم.
ونتيجة لذلك لكله شكلت منظومة القيم حجز الزاوية في التصور الجديد للارتقاء بهيئة التدريس ومهنتهم؛ إذ جعلت من الحقوق والواجبات المهنية المجال الثاني لتجديد قطاع التربية والتكوين.
إفغ/الرشيدية - الخميس 09 جمادى الأولى 1428هـ
قائمة المصادر والمراجع
- الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المتعلمين والمعلمين: أبو الحسن القابسي- تحقيق: فؤاد الأهواني- ضمن كتاب: التربية في الإسلام- دار المعارف- القاهرة- 1968.
- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب- المقري التلمساني- تحقيق: إحسان عباس- دار صادر- بيروت- 1997.
- دليل مرجعي في مجال حقوق الإنسان- المملكة المغربية: وزارة حقوق الإنسان ووزارة التربية الوطنية- مطبعة المعارف- د.ت.
- الميثاق الوطني للتربية والتكوين: المملكة المغربية- 2000.
- الكتاب الأبيض: المملكة المغربية: لجان مراحعة المناهج التربوية المغربية للتعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي- ربيع الأول 1423هـ- يونيو 2002- ج1 و3 و4 و5 و6 و7 و8.
- تقرير 50 سنة من التنمية البشرية: آفاق سنة 2025.
- التقرير الأول للمجلس الأعلى للتعليم لعام 2008.
- الطريق غير المسلوك: إصلاح التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: البنك الدولي www.worldbank.org
- التربية وطرق التدريس: صالح عبد العزيز- دار المعارف بمصر- 1956.
- قيمة القيم: المهدي المنجرة- مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء- ط2- 2007.
- مخاوف الأطفال: مبارك ربيع- الهلال العربية للطباعة والنشر- 1991.
- معجم علوم التربية: عبد الكريم غريب وآخرون- منشورات عالم التربية- مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء- ط3- 2001.
- تطوير مناهج التعليم: محمد دريج- سلسلة المعرفة للجميع- العدد 32- شتنبر 2005.
- الجامعة والتنمية: على القاسمي- سلسلة المعرفة للجميع- العدد 27- دجنبر 2002.
- الإسلام وحقوق الإنسان: محمد عمارة- سلسلة عالم المعرفة- الكويت- العدد 89- شعبان 1405هـ- مايو 1985م.
- التربية على حقوق الإنسان بين المرجعية والعوائق: رقية أغيغة- ضمن الكتاب الجماعي: الميثاق الوطني للتربية والتكوين- منشورات عالم التربية- مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء- ط2- 2006.
- Reboul (O): Philosophie de l’éducation, PUF, Paris 1977.
- Villars (G) et al: L’éducation scolaire et ses problèmes, Istra, 1982.
- Leif (J) et Rustin (G): Philosophie de l’éducation, Delagrave, 1970.
- Encyclopaédia Universalis, sur CD.
[1]- معجم علوم التربية: عبد الكريم غريب وآخرون- ص: 326- 359. انظر كذلك: التربية وطرق التدريس: صالح عبد العزيز- ج2- صص: 238- 293.
François Bourricaud; Mœurs. Eric Weil: Morale, Encyclopaédia Universalis, sur CD
[2]- قيمة القيم: المهدي المنجرة- ص: 11- تطوير مناهج التعليم: محمد الدريج- صص: 128- 153.
[3]- Reboul (O): Philosophie de l’éducation, p: 11.
[4]- Leif (J) et Rustin (G): Philosophie de l’éducation. Daniel Hameline: Philosophie de l’éducation, Encyclopaédia Universalis, sur CD.
[5]- الإسلام وحقوق الإنسان: محمد عمارة- ص: 79.
[6]- الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المتعلمين والمعلمين: أبو الحسن القابسي- ص: 313- 314. ومثل تلك المقاصد هي التي وضعها "هاربرت سبنسر Harbart Spencer" لما حصر الأهداف التربوية العامة في حماية النفس، وتوفير ضروريات الحياة، وتربية الأطفال وتهذيبهم، ورعاية العلاقات الاجتماعية والسياسية السليمة، وأنواع الأنشطة التي يملأ بها الفرد فراغه- تطوير مناهج التعليم: محمد دريج- ص: 130- 131.
[7]- نفح الطيب: المقري- ج- صص: 391- 406.
[8]- قيمة القيم: المهدي المنجرة- ص: 37- 38.
[9]- Villars (G) et al: L’éducation scolaire et ses problèmes, p: 33.
[10]- مخاوف الأطفال: مبارك ربيع - ص: 202.
[11]- تطوير مناهج التعليم: محمد دريج- ص: 10- 42- 43.
[12]- معجم علوم التربية: عبد الكريم غريب وآخرون- ص: 59.
[13]- الطريق غير المسلوك: إصلاح التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: البنك الدولي- صص: 1- 27.
[14]- الجامعة والتنمية: على القاسمي- صص: 69- 83.
[15]- دليل مرجعي في مجال حقوق الإنسان- المملكة المغربية: وزارة حقوق الإنسان ووزارة التربية الوطنية. التربية على حقوق الإنسان بين المرجعية والعوائق: رقية أغيغة- صص: 307- 324.
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الإثنين, 15 مارس/آذار 2010 11:00 )
|