كتب معراج المغاربة    الأحد, 20 نونبر/تشرين ثان 2011 11:23    | طباعة |  البريد الإلكترونى
ثورة في الحافلة! بقلم عصام زروق

لا أعرف كيف وجدت نفسي في لحظة وسط رؤوس مشكَّلة التسريحات، وبين روائح معطرة، تخرج من ثنايا أحدية مدكوكة المسامير، أو أكتاف معلقة بالأيادي، وبين أصوات تصرخ لحفظ كرسي كأنه موروث لمن يجلس عليه،  وفتى ريق نبتت زغيبات على خده الأيمن، وقد أخرج هاتفه المحمول  وشنف أسماعنا بضجيج يشبه الأغاني وكأنه وحده في هذا العالم، سب في آخر الحافلة للسائق ولعن في أولها للخارج منها، هرج ومرج وشجار مع المستخدم لمراهقين يرفضون أداء ثمن التذكرة، ومن وسط شباب في ثورتهم الشبابية تصعد فتاة تلبس ثياب لا تعرف أين تتمتها؟!
هيجان وشبه ثورة أشعلت داخل الحافلة، وتمرد أعلنه الراكبون على أنفسهم !
أسئلة تكررت في ذهني أكثر من مرة وأنا بين هذه الرؤوس، لماذا هذا التمرد الكبير داخل الحافلة ؟ لماذا لا نرى هذا التمرد السلطوي خارج هذا المكان ؟  لماذا هذه "الحكرة" على السائق والمستخدم، لماذا لا يؤدي المواطنون واجباتهم ويرفض بعضهم أداء الحقوق التي عليه ؟ لماذا يسكت البعض عن هذا الانفلات داخل الحافلة ؟
يصعب أن نستصغر الأمر ونعتقد أنها أفعال مراهقين غير مسؤولين، أو راكبين غير مهتمين، الحقيقة أن الحافلة عبارة عن مجتمع مصغر، يحشر فيها مختلف أصناف المجتمع، وكل شخص يعبر بشكل تلقائي عن الأفكار والمبادئ التي تؤطر سلوكه، وفق تعبيرات أو سلوكيات تكشف حقيقة التربية المجتمعية التي يمكن أن تتعايش وسط مجتمع قوامه 30 مليون نسمة.
إن هذا الوضع المصغر هنا لهو الوضع العام للمجتمع، في مكان لا سلطة فيه لأحد إلا سلطة القوي على الضعيف، وهو تعبير عن سخط غير مباشر، يستمد قوته من الحرمان من أبسط الحقوق، لكن عقدة الخوف من السلطة تُحول سخطه ونقمته إلى الأضعف من حوله ! وهذا يعني أن السلطة هي التي تحكمناوتحكم تصرفاتنا، وليست مبادئنا وأخلاقنا.
فبدلا من الاحتجاج على الشركة المسيرة للنقل نحتج على السائق والمستخدم. الأقل مرتبة والأدنى سلطة في شركة تسير العاصمة !
وكذلك يعكس خللا على مستوى التربية التي لدى الجيل القادم، وطريقة تعبيره عن حقوقه وسعيه إلى التميز داخل المجتمع وإن كانت الطريقة مؤدية للآخرين. فحب الظهور والتميز من الأشياء المهمة التي تشكل عقلية المراهق في الأماكن التي تعج بالناس، ونظرا للمجتمع المنعدم الرؤية والمنعدم الأهداف، تكون أهداف المراهق منحصرة في التميز بأشياء وصور، يعبر عنها من خلال كلامه العالي والبذيئ، أو تسريحة شعره المشابهة لأحد اللاعبين المتخلفين، أو بتهكمات بالية على السائق أو أحد المارين.
الأمر الثاني أن هذا الوضع داخل الحافلة يؤكد أن عمليات الإصلاح لا تحتاج إلى إصلاح كراسي الحافلة أو وضع شرطي داخلها لحفظ الأمن العام، أو استوزار مسؤول داخلها ليسير عملها، الإصلاح لا بد أن يبنع من الداخل، فالحافلة منذ انطلاقها إلى حين وصولها هي عبارة عن وطن مصغر، الكل مسؤول على الحفاظ على جو يملئه التراحم والتآلف والتصالح، والكل مطالب بأن يحافظ على نظافة الحافلة وسلامة سيرها وعدم تكسير شيئ منها، لأن راحته في الوصول إلى منزله أو عمله، توجب أن يحافظ على راحة الآخرين.
إن لم يكن المواطن قادرا على قيادة نفسه، متحملا مسؤولية وطنه، فلن ينفع أي مسؤول أو رئيس أو برلماني لإصلاح المجتمع، وليس بالدساتير والقوانين والزراويط يُحكم الناس، وليس بتزيين الشوارع وتنميق الوجهات وصباغتها، سنضمن التحضر،  لأنه في أي لحظة لانفلات الأمن لن يستطيع أي شخص لجم الناس عن التخريب والاستقواء على بعضهم، لأنهم تربوا على مجتمع لا يعطي اعتبارا للوطن، ولا يعطي قيمة للإنسان وحقه الكريم في العيش المتبادل، وأحداث ابريطانيا الأخيرة ليست ببعيدة عنا، لتؤكد لنا أن التحضر لا يعني التقدم والنماء الإقتصادي بقدر ماهو بناء الإنسان وتربيته .
هي مقالة لنعاود النظر إلى أحوالنا بعين أخرى وبزاوية مغايرة، وهي دعوة لكي نغير من أنفسنا ليغير الله ما بنا.

Comments
أضف جديد
سمية  - رأي صائب   |2011-11-20 05:47:38
بارك الله فيك أخي عصام مقال مميز وتصوير دقيق لمجتمعنا الكبير والمصغر وهي مشاكل كرى يعيشها مجتمعنا فكيف سنخرج من هذه الفوضى المجتمعية ونكون متحضرين باخلاقنا وقيمنا وهويتنا؟؟
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

تاريخ آخر تحديث ( الأحد, 20 نونبر/تشرين ثان 2011 11:37 )
 
جديد المقالات