|
|
جماعة «جزاك الله خيرا « / د. ديمة طارق طهبوب |

منذ ما يقارب عشرين سنة، كان التمسك ببعض الأخلاق والألفاظ والعبارات الإسلامية يجعل الشباب مثالا للتندر والسخرية، وما زلت أسمع قهقهات بعض الأقارب والمحيطين على استخدام عبارة «جزاك الله خيرا» بدل شكرا، وكأننا قلنا عجبا، أو أحيينا ميتا! مع أنها أفضل الدعاء والجزاء لمن أحسن إلينا صنعا، ولكنهم لم يفكروا في معناها بل بارتباطها بصورة المسلم أو المتدين «اللي محبكها شويتين» على رأي إخواننا المصريين، أو عدم مماشاتها لعصر الثانك يو والمرسي! كانت طامة كبرى إذا رفضنا مصافحة الرجال من غير المحارم، وكنا نسمع من التقريع والتسخيف الكثير؛ فهذا كبير العائلة، وذاك في سن الوالد، وذاك مثل الأخ، وهذا في مقام العم، وذاك يعرفنا منذ كنا في اللفة وهلم جرا، تبريرات تجعل العائلة وعائلة العائلة والجيران كلهم محارم لا نضطر إلى اتباع أي حدود معهم! أما الحجاب فحدث ولا حرج، فمم تشكو التنورة الطويلة والقميص فوقها؟ ألا ينفع الا الجلباب والكمكمة و»الكبس على الأنفاس» وأن نتشبه بلباس العجائز فلا خصر ولا حد ولا ألوان زاهية؟! أما العرس غير المختلط فتلك كبيرة ما سمعوا بها في آبائهم الأولين، ولكم بقينا وراءهم في بيوتنا نتمنى أن نشارك أحبابنا أفراحهم لو أنها كانت في غير معصية الله. ومرت سنون رمى المحيطون بنا طوبة جماعة «جزاك الله خيرا» فقد وجدوا بفضل الله وعصمته أن الأمل مقطوع فينا، وأن الكلام معنا عبث، والأجمل من ذلك أن كثيرا من أهالينا دخلوا دائرة جماعة «جزاك الله خيرا» حبا وطواعية والتزاما وانقلبت مجادلات الأمس الحادة رغبة منهم في التعلم والتطبيق، وأصبح «الابن الضال» والشريك المخالف في العائلة يُنظر إليه كشيخ العائلة، ولو لم يكن صاحب علم شرعي، وسبحان مغير الأحوال الذي يهدي من يشاء ولا نملك أن نهدي من أحببنا. هو مثال بسيط كيف أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وبالصبر كما أمر الله تلين الصخر مع مرور الزمن وتتابع العمل، وهذا لم يحصل في بلادنا ودوائرنا الضيقة فقط، فآخر الاحصائيات تبين أن الإسلام هو الدين الأكثر انتشارا على مستوى العالم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبرٍ إلا أدخله هذا الدين» إن الدعوة الإسلامية تمن بفضل الله على كثير من أبناء الوطن العربي والإسلامي، فالنشأة في محاضنها والتربية على منهجها ارتقت باهتماماتهم وأفكارهم فوق سفاسف الأمور وثقلة الطين والدرهم، وإن كان من أساس مبادئها أن العالم والذي يخدم الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المتعبد المنقطع للذكر، وأنه لا يمنع أن تكون راهبا في محرابك ليلا بشرط أن تكون فارسا على رأس عملك وثغرك نهارا، هذه الدعوة نقلتهم من خانة التلقي السلبي إلى محيط التفاعل الإيجابي فلا يكفي أن تكون صالحا بنفسك ما لم تكن مصلحا في مجتمعك، ولا يكفي أن تتأثر بما حولك ما لم تكن مؤثرا فيه، وهذه التفاعلية تحتاج إلى مؤهلات تُنمى بالقراءة والدراسة والخطابة والعناية بالمواهب. هذه الدعوة المباركة علمت أبناءها نظافة اليد، وأن الذي ينبت من حرام تتولاه النار، وعلمتهم عزة النفس وأن اليد العليا التي تعطي خير من السفلى التي تأخذ، وأن سؤال غير الله والتضعضع للغني يذهب بالدين، وهذا لا يعني أنهم ملائكة لا يخطئون، ولكنهم بعصمة الله يحاولون الابتعاد عن مواقع الزلل، ففي كل يوم يمارسون المحاسبة والتوبة والمشارطة ويرددون أورادا تذكر من غفل ونسي وأذنب. جماعة «جزاك الله خيرا» كما كان وما زال البعض يغمزنا علمت النساء معنى الشعور بالتفرد والعلو، والوصف المجرد هنا يقصر عن التعبير الا أن تكون امرأة مسلمة عايشت وتذوقت العزة والطهارة والحرية التي يمنحها لها الاسلام بالإعلاء من قدرها فلا تُمس ولا تُرى من غريب لا يستحق أن يوجد في دوحتها ويذوق حنان وروعة قربها. يجب أن تكون امرأة مسلمة لتحس برفعة القدر التي تجعل كل المحارم، لو فقهوا، يتسابقون إلى البذل والإرضاء والتلبية. يجب أن تكون امرأة مسلمة لتعيش الانطلاقة الانسانية التي يمنحها الحجاب، فالجسد أعظم الهبات الربانية وحسن التقويم إحسان فوق إحسان، وهذه جوهرة ثمينة لا تعرض في السوق للمزايدة بل تحفظ بعيدا عن عيون الناظرين. يجب أن تكون امرأة مسلمة لتذوق طعم العفاف والحياء وغض البصر الذي يجعل المرأة المسلمة تطرق النظر ولا تُحِد البصر لا عن ضعف أو قلة نظر أو علم أو مكانة وإنما عن قناعة بأن الله الذي صور وأبدع شرّع فأحكم ليبقى للعقل والقلب توازنهما ولا يذهبا حسرات على ما لا يمكن إدراكه والوصول إليه وصدق الشاعر إذ قال: ما أجملَ العين تغضي وهي فاتنة لله غضت بلا كبت ولا رهب وأجملَ الوجه اذ يحمر من خجل وإن دعا الحق لم يخجل ولم يهب هذا الحجاب الذي جاء الرسول به وليس سجنا من الفولاذ والخشب يا حرةً قد أرادوا جعلها أمةً غربية العقل ولكن اسمها عربي عهد السجود لفكر الغرب قد ذهبت أيامه فاسجدي لله واقتربي سنوات مرت منذ أن سمعت ضحكة وراء ظهري وعبارة تقول «دعيها هذه من جماعة اللي بقولوا (جزاك الله خيرا)، كل واحد على دينه الله يعينه». وفي زمن الفتن هذا الذي لا يدري فيه المرء على ما يفيق أو ينام، نعلم أن فضل الله علينا كبير أن هدانا لقبس من نوره، وندعوه أن «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وصرف أبصارنا إلى طاعتك». ولو عاد الزمان لما غيرنا ولو قال الناس «مغلقين» أو «مكلكعين» أو «معقدين» فقليل من الوقت وكثير من الحب كفيل بتغيير الصورة، وعدو الأمس يصبح صديق اليوم. فيا من علمتمونا أن نقول (جزاك الله خيرا) ونعمل بها جزاكم الله خيرا عن كل مسلم يؤمن بالله ويتبع سنة رسوله، ويجعل هدفه ما قاله الصحابي ربعي بن عامر لكسرى «جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام».
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الجمعة, 10 يونيو/حزيران 2011 20:02 )
|