كتب معراج المغاربة    الخميس, 17 يونيو/حزيران 2010 10:47    | طباعة |  البريد الإلكترونى
مناقشات 2 : الحياة الأسرية في المغرب الأقصى خلال العصر المريني / الدكتور سعيد بنحمادة
شكلت الأسرة المغربية مقصدا للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الراهنة، فولد ذلك نظاما أسريا مختلف البنية والشكل والحجم. وهو ما جعل موضوع الأسرة من أبرز القضايا التي أثارت اهتمام الباحثين الأكاديمين، وخاصة الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تصدرت قائمة الاهتمامات، في مقابل الأبحاث التاريخية التي لا زالت بعيدة نسبيا عن تحقيق تراكم كمي ونوعي في هذا الصدد.
ولعل ثغرة عدم وجود دراسة تهتم بنظم الأسرة والزواج في مجتمع المغرب الأقصى خلال العصر الوسيط، هي التي حاولت أطروحة "الحياة الأسرية في المغرب الأقصى خلال العصر المريني 668-669 هـ/6912-1465م" لمحماد لطيف ملأها، والتي نوقشت مؤخرا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، بوحدة البحث والتكوين في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، والتي حصل من خلال الباحث على درجة الدكتوراه في التاريخ بميزة مشرف جدا.
وقد حدد الباحث مقاصده المعرفية والمنهجية في هذه الدراسة، وحصر بعضها في كون الدراسة التاريخية لمؤسسة الأسرة، وملاحقة قضاياها في المراحل السابقة، واستكناه بناها وتغيراتها، ومتابعة مختلف العلاقات التي نسجت في إطارها، والبحث في علاقاتها مع باقي المؤسسات، من شأنها أن تسهم في إماطة اللثام عن العديد من القضايا التي أهملها البحث التاريخي، وتحقيق عملية الفهم الموضوعية للكثير من المشكلات التي ما زالت تتجدد أهميتها، ويتعاظم وزنها في مجتمعنا المعاصر. ومن ثم تبدو راهنية الأطروحة.
وحسب الباحث فإن الحياة الاجتماعية عامة في العهد المريني عرفت انعطافات كبرى وتغيرات حاسمة؛ فهي تمثل نهاية مرحلة طويلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، انعكست نتائجها على مختلف هياكل المجتمع بما فيها مؤسسة الأسرة، تحول بفعلها مجتمع الغرب الإسلامي من مجتمع موحد إلى مجتمع مجزأ، انفصلت على إثره الأندلس عن المغرب الأقصى. كما كان لتدفق العناصر الأندلسية على المغرب الأقصى واختيارهم الاستقرار في بعض مدنه، دور في ظهور عادات وتقاليد أندلسية جديدة.
وبالمثل شهدت الفترة موضوع الأطروحة حروبا داخلية وخارجية متلازمة مع الكوارث والجوائح، منها الطاعون الأسود، والتي أثرت بعمق على مختلف البنى الديمغرافية.
يضاف إلى هذا وذاك المستجدات التي تمثلها القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ظهرت وأسهمت في التحولات العامة بالمغرب الأقصى، وخاصة مؤسسة التصوف والشرفاء، الذين صار لهم نفوذ كبير في مختلف الفئات الاجتماعية، بما كان له تأثير على الأسرة.
كل هذا يجعل من هذه الفترة، في تقدير الباحث، فترة جديرة بالدراسة والتقصي ورصد الثوابت والمتغيرات التي طرأت على المجتمع المغربي، وتركيب حلقة من حلقات تاريخ المغرب المعتمة والمفقودة خلال عصر لم يحظ بالقدر الواجب من العناية من قبل الباحثين، في وقت أسهمت فيه هذه المرحلة، حسب الباحث، في صياغة البذور الأولى لظهور الوعي بالشخصية المغربية وخصوصياتها.
وقد اتخذ الباحث من الدولة معيارا للتحقيب التاريخي على حساب المعيار الزمني المعتمد على القرون، لأنه في نظره يتيح أدوات المقارنة والموازنة بين المراحل، ويقدم تسهيلات للفهم السياسي والاجتماعي للموضوع، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بمؤسسة الأسرة، التي هي حصيلة منبثقة عن تفاعل عناصر ذاتية وموضوعية في النسيج المجتمعي، وتشكل ظاهرة يصعب عزلها عن الأحوال الفاعلة في المعطيات المادية والوقائع السياسية، المؤثرة في تشكيل المجتمع وتكوينه.
ورغم وجاهة هذا الرأي فإننا نخالف الباحث، لأنه لا الدول والا القرون من شأنها أن تمكن من الوقوف على البنية الأسرية؛ فالزمن الطويل، الذي يتجاوز الدول والقرون، في تقدرينا، هو الذي بإمكانه أن يحقق ذلك، لأن الأسرة كنظام اجتماعي ووحدة اقتصادية وبنية ثقافية تتشكل خلال مدة زمنية طويلة تتعدى عمر الأسرة الحاكمة، وهو ما تنبه له الباحث ضمنيا لما وظف المنهج التاريخي الذي أفاده في الرجوع إلى الحقب السابقة عن الفترة المرينية.
ومهما يكن فقد حصر الباحث إشكاليته في تسليط الأضواء على القضايا المرتبطة بمؤسسة الأسرة، متجاوزا صعوبة قلة المادة المصدرية التي تذرعت بها معظم الدراسات التاريخية المعاصرة، أو اعتبار الموضوع ترفا فكريا يُلَمع الفصول ويزين الأبواب. ومن ثم ركز على نظام الزواج، ودوافعه، وموقف المجتمع منه، ومسألة اختيار القرين، ومظاهرها الاحتفالية، وبنية الأسر وأشكالها وأنماطها، وخصائصها سواء بالبادية أو بالمدينة، والسكن الزوجي، وعدد أفراد الأسرة وحجمها، والعلاقة بين الزوجين وعواملها وانعكاس ظروف الحياة عليها، ومسألة الإنجاب والرغبة في الولد، والمشاكل الأسرية وأسبابها ومظاهرها.
كما أن "عمق أصول مؤامرة الصمت" التي تعرضت لها المرأة، حسب تعبير الباحث، دفعه إلى رصد وضعيتها داخل الأسرة، وصورة النساء في المجتمع ونظرته إليهن، وحجب المرأة، وأهم أدوارها داخل الأسرة والمجتمع.
وقد فرضت الإشكالية المركزية للأطروحة وقضاياها ومحاورها، على الباحث البحث عن المادة العلمية في مضان متعددة ومختلفة القيمة والطبيعة؛ مثل كتب الفقه والنوازل، والتراجم والطبقات، والفهارس، والمناقب والتصوف، والبدع، والجغرافيا والرحلات، والطب والتنجيم، والأدب، فضلا عن النصوص الرمزية، والأمثال الشعبية، وغيرها من المصادر التي ارتأى فيها إفادة لموضوعه، دون تسلميه بكل ما احتوته تلك المتون، معولا على التتبع النقدي والرؤية الشمولية والمندمجة، والتوثيق الدقيق كما يبدو من كثافة الإحالات والهوامش.
ودرءا للسقوط في المزالق والتعسفات التنظيرية الفجة، وبغية بناء إشكالي للموضوع والاستفادة من الأدوات المنهجية للموضوع، وسع الباحث اطلاعه ليشمل كذلك مختلف الدراسات العربية والأجنبية المتاحة، التي أنجزت حول تاريخ المغرب بصفة عامة، والتاريخ الاجتماعي الوسيط بصفة خاصة، سواء في حقل التاريخ أو علم الاجتماع العائلي أو الاثنوغرافيا أو الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.
وانطلاقا من ذلك، اتضح للباحث المنهج الذي يعتمده؛ ففصل دراسته وفق رؤية منهجية شمولية، تقوم على رصد الظاهرة الاجتماعية من خلال ربطها بأبنيتها المؤطرة وأساسياتها الفاعلة، في جدلية تاريخية تروم الغوص في العمق للكشف الأمين عن الواقع، والأسس المتحكمة في صياغته، وتحرص على الاستغلال المكثف للنصوص وقراءتها قراءة تمتد عبر مساحات معرفية متنوعة، تعتمد على الوصف والتحليل، والتفكيك، والاستنباط، والتأويل، وإعادة التركيب والنقد والتعميم الحذر البعيد عن الإسقاط والاختزال؛ متبعا أحيانا المنهج الوصفي، كلما تعلق الأمر بإشكالية ملء الثغرات وترميم الفراغات الخاصة بالتاريخ الاجتماعي، وسالكا أحيانا المنهج الكمي الإحصائي لفهم أعمق لبعض الظواهر الاجتماعية ، أو استعمال أسلوب المقارنة بين الحقبة المدروسة وبين غيرها من الحقب السابقة واللاحقة للوقوف عند الثابت والمتحول في بعض القضايا والظواهر، أو المقارنة بين مجال المغرب الأقصى وباقي المجالات الأخرى سواء بأوروبا أو بالمشرق الإسلامي.
ومن حصاد الرصيد المعرفي والرؤية المنهجية، انقسمت الأطروحة إلى خمسة فصول، فضلا عن مقدمة ومدخل وخاتمة، وثبت بالمصادر والدراسات المعتمدة.
أما المقدمة فهي تأطير إشكالي للأطروحة. وأما المدخل التمهيدي فقد خصص لمقاربة مصطلحي "الأسرة" و"العائلة"، واستكناه مفهومهما من خلال تراث المغرب المريني. وأما الفصل الأول فقد أفرده لمتابعة مراحل تكوين الأسرة وبنائها، حيث تطرق فيه لمفهوم الزواج، ونظرة مجتمع الحقبة المرينية له، وأهم دوافعه. كما تصدى في مباحث أخرى لقضايا الاختيار الزوجي، وسن الزواج، ومكونات عقد النكاح، والخطبة وليلة الزفاف والمظاهر الاحتفالية المرافقة لهما.
وتوقف الفصل الثاني عند بنية الأسرة والعوامل المؤثرة في صياغتها، وقسمه إلى ثلاثة مباحث، جعل الأول لتبين أهم العوامل المسهمة في اتساع قاعدة الأسرة كالسكن الزوجي، وسيادة عقلية الإنجاب والرغبة في الولد، وحاول من خلاله تقديم أرقام عن عدد الأفراد المكونين لبعض أسر العصر المريني. وانتقل في المبحث الثاني للحديث عن خصائص الأسرة البدوية ومكوناتها. أما المبحث الثالث فاتخذ من الأوضاع الاقتصادية والمادية منطلقا لتحديد أشكال الأسر في الحواضر. في حين يتعلق المبحث الرابع بأهم العوامل المؤدية إلى خلخلة البناء الداخلي لمختلف الأسر وتفككها أو انقراضها.
وتمحور الفصل الثالث حول وضعية المرأة، ومختلف صورها في ذهنية المجتمع، وقضية حجبها وظهورها بين الناس، وحرمانها من الميراث، وأهم الأدوار التي قامت بها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كما اهتم هذا الفصل أيضا بدراسة أدوار المرأة داخل الأسرة، وأوجه إسهاماتها المادية، والحقوق المترتبة عن ذلك.
في حين خصص الفصل الرابع لمتابعة وضعية الطفل منذ ولادته، مرورا بالاحتفال بالعقيقة، والختان، ودور الأسرة من خلال الأم والأب في تربية الأبناء، وأهم الأساليب والطرق المعتمدة في ذلك. كما اعتنى هذا الفصل بقضايا أخرى من قبيل تعليم الطفل، ودور المؤدب التربوي، وظاهرة تشغيل الأطفال، وبعض الأمراض التي كانوا عرضة لها، وبعض الألعاب.
أما الفصل الخامس والأخير، المخصص لتناول العلاقات الزوجية، فقد تضمن عرضا لأشكال العلاقات الودية التي نسجها الزوجان داخل خلية الأسرة، ومختلف النزاعات التي نشبت بينهما. كما تم التركيز على ظاهرة الطلاق وأسبابها، ونتائجها من خلال التعرض لواقع المطلقات، ومشاكل الأطفال ضحايا الطلاق. أما الخاتمة فتضم مجموع خلاصات البحث واستنتاجاته، ويمكن إجمالها، كما جاءت في الدراسة، فيما يلي:
- أن مؤسسة الأسرة لم تكن بمعزل عن الأوضاع المجتمعية بالمغرب المريني؛ فقد خضعت، سواء بالمدينة أو البادية، للمستجدات الاجتماعية والاقتصادية والذهنيات السائدة وقتئذ، من قبيل تأثير الكرامة الصوفية في الأسر، وتدخل البركة في الزواج، وحل المشاكل والنزاعات الأسرية وغيرها.
كما عكست الأسرة المغربية آنذاك مجمل صفات مجتمع المغرب الأقصى، والمتمثل بعضها في انتشار الأمية وتفشي الجهل، ورسوخ الاعتقاد بالتنجيم والخرافة، واللجوء إلى السحرة، ، للتخلص من حياة البؤس والخصاصة، وتحقيق بعض الغايات الشخصية.
- أن الزواج بالمغرب المريني هو نظام اجتماعي متكامل، تجلت فيه بنية الجماعة وطبائعها وخصائصها، وخضع لتقاليد وأعراف متنوعة ومتباينة حسب القبائل.
أما قيمة الزواج في الذهنية الجماعية، فتبين أنه حظي بمكانة عالية، وعد من الواجبات الاجتماعية، وغايتها الإنجاب وتكوين الأسرة، كما تحدد بدوافع اقتصادية واجتماعية ودينية وسياسية وجنسية.
ورغم تسجل الأطروحة ظاهرة العزوف عن الزواج، إلا أنها كانت في الغالب مرتبطة بالزهد والتقشف لدى المتصوفة.
ولم تكن مسألة الاختيار الزوجي مجرد علاقة بين شخصين، وإنما عكست بعض خصائص المجتمع وأفكاره وميوله؛ فإذا كان الجمال والبكارة على رأس الصفات المرغوبة في المرأة، فإن اختيار القرين خضع لاعتبارات اجتماعية وأعراف، مما جعله مجردا من بعده الفردي، وأوكل أمره إلى الأسرة، وهو ما عانت منه الفتاة.
وفي ما يتعلق بسن الزواج، فقد ساد الزواج المبكر بالنسبة للزوجين معا، وهو ما ولد مشاكل عانى منها الزوجان.
أما بخصوص الخطبة والمظاهر الاحتفالية للزواج، فقد تجسد في تعبيرات رمزية، عكست ظروف الحياة الاجتماعية والذهنية السائدة آنذاك، بفعل ما حدث من اختلاط وتجانس بين الأمازيغ والعرب والأندلسيين.
- أن بنية الأسرة، باعتبارها الخلية الأولى للمجتمع، تشكلت من الزوج والزوجة وأولادهما، واتسمت بتعدد أفرادها، بحكم الإنجاب، والقيمة الاجتماعية والرمزية لكثرة النسل، مما جعل معدل الولادة مرتفعا ومتفاوتا حسب المستوى المادي للأسر وانتماءاتها المجالية.
كما أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة في تلك الفترة من تاريخ المغرب، كان لها الأثر العميق في البنية الديمغرافية للأسرة، فأفرزت تشكيلات أسرية يتوافق بناؤها الداخلي مع الشروط المادية، وظروف الحياة في المجالين البدوي والحضري، إذ  سادت الأسرة الممتدة، أفقيا وعموديا، والمتماسكة والمتباينة الأنماط حسب المدن والبوادي؛ فالأسرة البدوية لم تكن منفصلة عن القبيلة، بل انصهرت فيها لحماية وجودها. كما فرضت ظروف الحياة الصعبة في المجال البدوي على أفراد الأسرة الواحدة توطيد علاقاتهم، وتمتين أواصر الترابط فيما بينهم لتأمين موارد العيش، مما أفرز أسر كبيرة ذات بنية صلبة وقوية تستجيب لضرورات الأحوال القاسية.
أما الأسرة بالمجال الحضري فقد تميزت بتنوع نسبي في شكلها وخصائصها، والعلاقات المتبادلة بين أفرادها، تبعا للإطار المادي والاقتصادي لرب الأسرة، والأفراد المسهمين في إعالتها. واستنادا إلى ذلك تم التمييز بين أسر السلاطين وأسر الكبراء والأعيان والأسر الفقيرة.
وبقدر ما أسهمت الظروف الاقتصادية في تكوين الأسرة، فإنها في المقابل ساعدت على خلخلتها بسبب الصعوبات التي واجهت بعض الأسر في الاستمرار والتناسل، ودور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في إفراز تشكيلات أسرية جديدة، ومن ذلك الحروب والكوارث الطبيعية، التي اشتدت في بداية الدولة المرينية ونهايتها، والتي غيرت بنية الأسر، بسبب ارتفاع عدد الوفيات، والاسترقاق والأسْر، وتدمير المساكن، والقضاء على أسر بأكملها كما أثبت ذلك المنهج الكمي المعتمد في الأطروحة.
- أن العلاقات بين أفراد الأسرة قادت إلى تتبع وضعية المرأة والطفل، ومحاولة ضبط أوجه التأثير التي حملتها ظروف العصر المريني، التي جعلت نظرة المجتمع إلى المرأة مقرونة بالشر، والضلال والغواية، والشك والخيانة، ونقص العقل والدين، مما دفع الرجل إلى الإلحاح في إغلاق كل سبل الخروج أمامها، من خلال كثرة الدعوات إلى التشديد في منعها من الخروج، والتضييق عليها بفرض الحجاب، واحتباسها في مسكنها، وهو ما كان له انعكاس سلبي على وضعية المرأة، وأفقدها الاطمئنان لمصيرها داخل الأسرة، وجعلها تنصرف إلى تعزيز وجودها، بالإقبال على بعض الممارسات الخرافية والغيبية، رغم ما تتحدث عنه مصادر المرحلة من نماذج لنساء تبوأن مكانة اجتماعية متميزة من خلال بعض الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي قمن بها.
أما دوره المرأة داخل الأسرة، فقد تبين أن معطم النساء كن يقضين معظم أوقاتهن في المنزل لرعاية الأطفال، والقيام بالأمور المنزلية، وأن من النساء الفقيرات من كن يشاركن في أعمال زراعية، وأنشطة تجارية وحرفية، للإسهام في الرفع من المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسرة، إلى درجة أن إسهام بعض النساء في دخل الأسرة فاق مدخول الرجال في بعض المناطق، مما فرض أحيانا الإقرار بأحقية الزوجة في جزء من ممتلكات الأسرة، في إطار حق الكد والسعاية.
- أن الطفولة شكلت مرحلة أساس وخطيرة في تحديد شخصية الطفل؛ فتتبعت لذلك الأطروحة فترة الحمل، والوضع، والرضاع، باعتبارها مراحل احتفالية رافقتها عادات وطقوس وسلوك مادية ورمزية معبرة عن الذهنية السائدة المتشبعة بالفكر الخرافي، والمعتقدة في بركة الأولياء والمتصوفة؛ والتي برزت في وضع المرأة الحامل، والرغبة الشديدة في الولد الذكر، وبعض الوسائل والممارسات التي اعتقدت النساء في نجاعتها للتخفيف من محنة الولادة، وتسهيل الوضع. أما حفل العقيقة فانفرد بمظاهر احتفالية متنوعة وخاصة. وتعد تسمية المولود أبرز ما ميزها، وأن تسمية الطفل عكست بعض مظاهر الحياة الاجتماعية؛ فقد عدت شكلا ثقافيا جسد رؤية الأسرة والمجتمع لمجموعة من القيم والمعايير، ووجها من أوجه التأثير والتأثر التي حصلت بين العناصر المكونة للمجتمع المغربي خلال تلك الحقبة من التاريخ.
وقد كان للأسرة دور ريادي في تربية أطفالها، حيث ثبت أنها كانت المؤسسة المسؤولة على التنشئة الأخلاقية والاجتماعية، وإشباع حاجاتهم العاطفية والاقتصادية والصحية، وحمايتهم مما قد يتهددهم من أخطار، وأن علاقة الأم بأطفالها كانت وطيدة، تجاوزت أحيانا الحب الفطري الذي عادة ما تكنه المرأة لوليدها، لذلك كانت مسؤولياتها في تربيتهم ورعايتهم، وتوفير العناية اللازمة لنموهم كبيرة، خصوصا في السنوات الأولى من عمرهم. وإذا لم يكن للأم، من الناحية النظرية أو العملية، أية أهمية في تخطيط مستقبل الابن وتوجيهه، فقد تأكد في المقابل أن دور الآباء كان حاسما في هذا الشأن في هذا المنحى، إذ كان تدخلهم واضحا في تربية الأبناء الذكور، تربية تتلاءم والنسق التربوي للمجتمع.
وفي الاتجاه ذاته، اتضح أن الأساليب التربوية اختلفت باختلاف الوضعية المادية للأسرة؛ فإذا كانت الأسرة في الأوساط العلمية والوجيهة، قد اهتمت بتربية أبنائها وتوجيههم توجيها يتلاءم وتطلعاتها، باعتماد أساليب تربوية تكسب الطفل الخبرات التي تتيح لها فرصة الحفاظ على استقرار مكانتها الاجتماعية وامتيازاتها المادية، فإن الأسر الشعبية لم تخضع في الغالب لأي رؤية واضحة، لأن فقرها ومحدودية طموحاتها جعلاها عاجزة عن السهر على توجيه أطفالها ورعايتهم، نظرا لحاجتها إليهم في تلبية متطلباتها المادية وتطوير مستواها المعيشي.
وبناءا على ذلك ارتكزت الأساليب التربوية على منطلقات وأهداف ذات صلة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الأقصى خلال العصر المريني، وهذا ما تجلى في اختلاف وظائفها ومحتواها باختلاف المراتب الاجتماعية التي تنتمي إليها الأسرة. كما اتضح أن المضامين والأشكال التي تمت بها التربية كانت منسجمة مع القيم والأفكار السائدة، والتي كان التعليم حاملا لها، لذلك  سخرت الأسر الوجيهة والعلمية ثرواتها لتهيئة الظروف المشجعة لأطفال نحو الاندفاع نحو التحصيل والدراسة؛ فاستقدمت لهم مؤدبين أكفاء، وتحملت مصاريف الرحلة لمتابعة التحصيل، وتلقي العلوم المختلفة. أما الأسر الفقيرة فلم تتح لها الأوضاع المعيشية المزرية الفرصة لتعليم أبنائها، مما جعلهم عرضة للجهل والأمية، أو الاكتفاء بتلقينهم بعض السور القرآنية، لأنهم كانوا مهيئين للانقطاع عن الدراسة دون الإلمام بالقراءة والكتابة، والانخراط في الحياة العملية.
ولذلك كان التعليم مؤثرا في تربية الطفل وسلوكه وتكوين شخصيته، وهو ما فرض الحديث عن الدور التربوي للمؤدب، والأساليب المعتمدة في التدريس، والمستندة إلى الموعظة والنصيحة، والقدوة الحسنة، وعلى القمع، والعقاب البدني، وكلها أساليب تركت آثارا متباينة في شخصية الطفل.
- أن تشغيل الأطفال أثر على شخصية الأطفال، ذكورا وإناثا، والزج بهم في الأسواق والمزارع منذ السنوات المبكرة من عمرهم. وقد كانت هذه الظاهرة منتشرة في صفوف الأسر الفقيرة، وخاصة بالبوادي التي كان يلجأ فيها إلى الاستعانة بالأطفال للتخفيف من الأعباء الاقتصادية للأسرة، وهو ما جعل الأطفال يحصلون على أجور هزيلة، انتقلوا بسببها إلى مرحلة الرشد من غير الاستمتاع بالطفولة، ودفع بهم إلى القيام بأعمال مجهدة، أسهمت في تفشي بعض الأمراض ووفيات الأطفال بسببها.
- بالنسبة للعلاقات الزوجية؛ وإلى جانب أجواء الانسجام والتوافق التي ميزت حياة العديد من الأزواج، فقد عرفت بعض الأسر مختلف النزاعات وعلاقات التوتر والتنافر التي نشبت بين الزوجين، والتي لم يكن بعضها معزولا عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي وسمت العصر المريني؛ والمتثل بعضها في تعدد الزوجات، والتسري واتخاذ الإماء، والخيانة الزوجية، والتوافق الجنسي والعاطفي بين القرينين، وكلها عوامل أفضت إلى الطلاق، الذي اختلفت أسبابه بين تلك التي دفعت بالزوج إليه، وتلك التي أرغمت الزوجة على المطالبة بالتطليق.
والملاحظ أن الطلاق كان سائدا على نطاق واسع، ولا سيما خلال الأزمات والحروب التي عرفها العصر المريني، بفعل تردي الأوضاع الاجتماعية للأسر، وعدم القدرة على الإنفاق، واستشراء المجاعات، والكوارث والأمراض، وغياب الأزواج وترمل النساء.
وقد كان للطلاق انعكاسات وخيمة، شملت كل أعضاء الأسرة، مثل انحطاط الأوضاع الاجتماعية للمطلقات، ومعاناتهن من الاعتداء على حقوقهن المادية والمعنوية، وصعوبة ظروف الأطفال ضحايا الطلاق، بسبب تعرضهم لأبشع أنواع الاستغلال، والحرمان والفقر، وانعكاسات ذلك على أحوالهم النفسية والسلوكية.
وهكذا تمثل الأطروحة إضافة كمية ونوعية لحقل التاريخ الاجتماعي، بما قدمته من رؤية مندمجة، معرفيا ومنهجيا، للموضوع؛ فعلاوة على راهنيتها، فإنها تشكل مرآة حقيقة للتوجه الجديد الذي بدأ يميز مفهوم الوثيقة والحقبة والمجال والرؤية في آليات اشتغال المدرسة التاريخية المغربية.
Comments
أضف جديد
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

تاريخ آخر تحديث ( الخميس, 17 يونيو/حزيران 2010 10:50 )
 
جديد المقالات