|
|
الإستفتاء السويسري: نحو مأسسة العداء المسيحي-الشعبي للإسلام/ د. عبد النبي بورزيكي |
|

شهدت السنوات الأخيرة اللاحقة لتفجيرات نيويورك وواشنطن تشويها متصاعدا وكبيرا لصورة الإسلام في الغرب؛ فمن الإساءة لشخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية، مرورا بالفيلم الهولندي «فتنة» الذي أعدّه النائب اليميني المتطرف «جيرت فيلدرز»، والذي زعم من خلاله وجود صلة بين القرآن الكريم وما أسماه بـ«الإرهاب»، وصولا إلى الإستفتاء السويسري الذي حظر منع بناء المآذن في سويسرا بنسبة 57,5%، بدا المعسكر المسيحي الصهيوني أكثر إصرارا على إلحاق المزيد من الأذى والإذلال بالجاليات المسلمة المقيمة بأوروبا، إذ شكّل هذا الإستفتاء محاولة جريئة وجدّ مستفزّة على ما يبدو في هذا الاتجاه؛ فبمجرّد نجاح حزب الشعب اليميني والحزب المسيحي اليميني الصغير في تعبئة أعداد كبيرة من المواطنين السويسريين وإقناعهم بكون المآذن تمثّل «رمزا ظاهرا لمطالبة سياسية دينية بالسلطة»، أصبحت الجالية المسلمة داخل سويسرا التي تمثّل- حسب الإحصائيات الحكومية الأخيرة – نحو أربعمائة مسلم من أصل مجموع عدد سكان البلاد الذي لا يتجاوز عددهم (7.5) مليون نسمة، محلّ خطر داهم رغم التطمينات التي قدّمتها وزيرة الشرطة والعدل «ايفلين فيدمر شلومبف» مباشرة عقب إعلان نتيجة الاستفتاء.
وهكذا، يبدو أنّه بعد أن لم يفلح المعسكر الغربي المسيحي-الصهيوني في محاصرة حركات الإسلام السياسي الناهضة بقوة داخل الوطن العربي والإسلامي، لاسيّما العنيفة منها داخل أفغانستان (طالبان وتنظيم القاعدة)، العراق، الصومال، اليمن والمغرب العربي (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي). (وذلك بالرغم من الميزانيات العسكرية الضخمة التي خصّصتها الولايات المتحدة وحلفائها في إطار حلف الناتو لذلك)، تفتّق عقل ذلك المعسكر عن فكرة ذكية وخطيرة، مفادها العمل على تنظيم وتأطير العداء الغربي للوجود الإسلامي في الرقعة المسيحية الأوروبية بشكل قانوني ودستوري، عبر إستغلال ردود فعل الجماهير الشعبية المسيحية داخل الدول الأوروبية، التي بدت شعوبها جدّ ناقمة وحاقدة على الجاليات المسلمة، نتيجة لسوء الفهم الكبير والغموض العميق، الذي تبُثّه الآلة الإعلامية الصهيونية في عقولهم وقلوبهم، والذي وجد مرتعا خصبا لدى معظمهم، تبعا للجهل المطبق الذي يسم معرفتهم وإدراكهم للإسلام كما أكّدت ذلك العديد من إستطلاعات الرأي في الغرب.
ولعلّ شروع هذا المعسكر في تطبيق حيلته السالفة من خلال تجنيده لأفراد معزولين للإساءة العلنية للإسلام كما حصل مع تدنيس القرآن في معتقل «كوانتنامو» بكوبا، فضلا عن الإنتهاكات الصارخة للجنود الأمريكيين لحرمة المسلم وكرامته في سجن أبي غريب بالعراق. ثم قضية الرسومات الدانمركية المسيئة لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم المذكورة. و كلّ ذلك كان يتم تحت شعارات شتّى مثل حرّية التعبير والمعتقد، في الوقت الذي تعاقب فيه القوانين الأوربية المعاصرة أشدّ العقاب على تهمة معاداة السامية، أو إعلان الكراهية إزاء اليهود. فهل العقاب على الإساءة لليهود لا يوجب إقرار عدالة دينية مماثلة في المعاقبة على الإساءة لباقي الديانات، ولاسيّما الدين الإسلامي المستهدف؟. أم أنّ الأمر يتعلّق بسياسة الكيل بمكيالين وسياسة الهيمنة والتعالي؟.
وتجدر الإشارة إلى أنّ المعسكر المذكور، لم يكن ليتوقف عندما سلف، بل كان يلجأ أيضا إلى توظيف الأقلام وشراء ذمم أصحابها من المفكرين العرب والمسلمين وحتّى الغربيين، لمعادة الإسلام وسبّ وقدف رموزه، بداية من الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجاته إلى الصحابة وعلماء المسلمين كما شهدنا في كتاب «آيات شيطانية» لسلمان رشدي، وكتاب «الغضب والكبرياء» لصاحبته الصحافية الإيطالية «أوريانا فلاشي»، فضلا عن عدد كبير من الكتّاب يضيق المقام عن ذكرهم جميعا.
وللتوضيح أكثر يمكن القول أنّ التعثّر المستمر الذي تعرفه إستراتيجية التحالف المسيحي الصهيوني للقضاء على الإسلام وتهجير الجاليات المسلمة المتواجدة بالدول الغربية، أو إضطهادها كما كان يحصل مع محاكم التفتيش في إسبانيا إبّان العصور الوسطى، بالرغم من المشاركة الكبيرة والقيّمة التي أسهمت بها في تقدّم وإزدهار المجتمعات الغربية، قاد ذلك المعسكر إلى طرق باب التنظيمات السياسية والمدنية الأوربية والأمريكية ودعم الأحزاب العنصرية منها (حزب جون ماري لوبان في فرنسا، وباقي الأحزاب اليمينية في بلجيكا، هولندا، إسبانيا..) المناوئة للوجود الإسلامي في أوروبا، وإيجاد موطئ قدم داخل باقي الأحزاب ومكونات المجتمع المدني لخلق تكتلات عنصرية رافضة ومعادية للمسلمين، ولكل ما يمتّ إليهم بصلة، وكذا لكل الرموز الدينية الإسلامية (مساجد، صوامع حجاب، جمعيات خيرية إسلامية...)، و الضغط على البرلمانات الأوروبية، لإصدار قوانين معادية للإسلام، وبالتالي تقنين العداء الغربي المسيحي والصهيوني للإسلام كما سلف.
ومن خلال إلقاء نظرة خاطفة على تداعيات هذه الحملات، يظهر مدى حجم العداء الذي غرسته في أوساط شرائح سياسية ومدنية وشعبية عريضة من المجتمعات الأوربية وحكوماتها المركزية والمحلية؛ فبعد تحريم الحجاب في المدارس الفرنسية، حصل نفس الأمر في بلجيكا خلال الدخول المدرسي لسبتمبر2009، بل حتى في مصر صدر قرار مؤخرا بمنع الفتيات المنقّبات من إجتياز الإمتحانات بالجامعة.
لقد دقّ الإستفتاء السويسري مسمار آخر في نعش الحكام العرب والمسلمين، الذين يبدو أنّهم لم يستشعروا بعد الأثر المستقبلي لما يجري على وجودهم ومصالحهم، قبل مصالح الشعوب الإسلامية التي لا تزال تقاوم بما أوتيت من قوة التغلغل المسيحي والصهيوني داخل صفوفها عن طريق الحملات التبشيرية والتنصيرية.
أمام هذا الوضع يبقى دور الحكماء من الطرفين، ملحّا وضروريا لنزع فتيل الأزمة الحاصلة راهنا بين العالمين الإسلامي والمسيحي اليهودي، حتى يتمكن العالمان من إدارة التداعيات الآنية والمستقبلية لها بشكل عقلاني ومتبصّر. وذلك من خلال اعتماد مجموعة من الحلول، نشير إلى بعضها كما يلي:
- إعتراف الغرب المسيحي بالعالم الإسلامي وحقّه في الوجود العادل والمتساوي مع باقي العالم، والإستنكاف عن الإستمرار في تعريض شعوبه لمزيد من القهر والإذلال؛
- قيام الولايات المتحدة وحلفائها داخل حلف الناتو، وعلى رأسهم بريطانيا بإنهاء الحرب في العراق وأفغانستان وباقي بقاع المعمور؛
- إجراء تسوية عاجلة للمشكل الفلسطيني، تضمن حق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وبناء دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف؛
- دمقرطة التعاون الدولي والنظام الدولي المؤسّس لهذا التعاون، الذي يجعل الدول النامية و العالمان العربي والإسلامي، خارج دائرة صناعة القرار الدولي؛
- إصلاح هيئة الأمم المتحدة وتكسير الهيمنة المضروبة على مجلس الأمن من لدن القوى الكبرى والمحتكرة لحق الفيتو؛
- أنسنة العولمة وتلطيف تداعياتها على الدول النامية، بإعتبارها نتاجا خالصا للتطور الرأسمالي والتجاري الغربي؛
- إرساء نظام إقتصادي دولي جديد، يضمن العدالة والمساواة وحق الشعوب النامية في الإستفادة من الثروات المادية والرمزية للكون الذي نحيا ضمنه؛
- إجراء حوار مباشرة وودي بين الغرب والإسلام بخصوص الإشكالات العالقة فيما بينهما سواء في المجال السياسي، الإقتصادي، الفكري أوالاجتماعي؛
- تعبئة الفضاءات المدنية والدينية والإجتماعية الخاصة للشعوب الإسلامية والمسيحية، بهدف تجسير الهوة الثقافية الحاصلة بين الطرفين، وتعريف المجتمعات الأوروبية والأمريكية بسماحة الإسلام وإمكانياته التواصلية الكبيرة بهدف الغموض الملفوف حوله.
نقلا عن مجلة الدراسات الإستراتيجية، المجلد الخامس، العدد(17)، البحرين، يونيو 2010.
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الخميس, 04 نونبر/تشرين ثان 2010 22:08 )
|