كتب معراج المغاربة    الأحد, 10 أكتوبر/تشرين أول 2010 11:04    | طباعة |  البريد الإلكترونى
المناهج الثقافية للحركة الإسلامية.. هل تواكب الثقـافــــة العصرية؟
تثير قضية تكوين الفرد المسلم، خاصة في الشق الثقافي والتربوي منه، عددًا من الإشكاليات المتعلقة بطريقة التكوين، ومنهجية التلقين، ونوعية المنهج الثقافي، كأحد مكونات التربية أو التكوين؛ التي سيترتب عليها بعد ذلك الحكم على تصرفاته، ومنهجيته في التعامل مع الآخرين.
بعضهم يطلق على المنهج الثقافي في الحركات الإسلامية المنهج التربوي، وبعضهم الآخر يحاول أن يفصل أو يميز بينهما، باعتبار أن المنهج الثقافي جزء من العملية التربوية، وليس كلها، وغالبًا ما يكون المنهج الثقافي والتربوي هو المعين الأول للفرد؛ للتعرف بفكر الحركة ومنطلقاتها، وذلك من خلال أدبياتها، أو ما يتلقاه من منهج في حلقات التربية، المسجدية أو الخاصة.
كثير من مفكري الحركة، أو المهتمين بها، اهتموا اهتمامًا بالغًا بقضية المنهج الثقافي، واعتبروه البداية الضرورية لأي تطوير منتظر في الحركة الإسلامية، كما اعتبرت الحركات نفسها أن الفرد هو البذرة الأولى للإصلاح.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي، أحد رموز الحركة الإسلامية في العصر الحديث ومنظريها: إن من "عيوب هذا المنهج التربوي الرسمي الملزم للإخوان أنه يوقعهم في التناقض، المكشوف أحيانًا، والمُقنَّع أحيانًا أخرى، فبعض الكتب المقررة عليهم - مثل كتبي- ترى أن الشورى واجبة، وأن الشورى ملزمة، وأن النزول على رأي أكثرية أهل الحل والعقد واجب،على حين يرى كتاب آخر لبعض الدعاة: أن العمل برأي الأكثرية من الأمراض التي دخلت على الحركة الإسلامية، وأن الواجب هو العمل برأي الإمام، وإن خالف الأكثرية، بعد أن يستشيرهم، وبهذا شرَّعنا للاستبداد، وأعطينا الحجة للحكام الذين يقهرون الأمة، ويضربون برأيها عرض الحائط".
بل يضيف القرضاوي، أنه والشيخ فريد عبد الخالق، عضو مكتب الإرشاد السابق في الجماعة، أبديا "ملاحظات على منهج الإخوان في التربية والتثقيف، وكان متفقًا معي تمامًا، وقد أوصينا بعمل مقترحات لتدخل على المنهج، إلى أن يوضع منهج جديد، يتفادى ما ذكر من السلبيات، ويتضمن الإيجابيات المنشودة.

مراجعة دورية

الدكتور محمد بديع، عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين، أحد أهم الجماعات التي تهتم بفكرة المنهج التربوي والتثقيفي، ومسؤول قسم التربية فيها، يقول: إن "التربية هي التنشئة على منهاج خاص، في كل المراحل، وكل الظروف والحالات، وهي تنقسم إلى برنامج نظري وبرنامج عملي، وإنها - أي التربية- لا بد أن تلتزم بالمنهاج الإسلامي، وتحقق التكوين الفعلي والعملي للشخصية الإسلامية، فكرًا وخلقًا وسلوكًا".
ويقول بديع: إن المنهج الثقافي الذي تستند إليه الجماعة يقوم على "القرآن والسنة، ثم الفقة، بأحكامه الواضحة المتفق عليها، والمبني على أصول الفقه، وتتسع دائرته لتتضمن اجتهادات العصر الحديث لعلمائنا الأجلاء، والتاريخ الإسلامي؛ الذي نستمد منه العبرة، والذي يتناول الأحداث والمواقف التي مرت بالأمة، صوابها وخطئها، مع الدراسة والتحليل.
وتأتي رسائل الإمام الشهيد حسن البنا لتجدد تناول هذه الأصول، وتنقلها إلى الواقع العملي، وتشرح كيفية السير بها، وتضع وسائل تنفيذها للفرد والأسرة والمجتمع، وتندرج مع الإنسان ذكرًا وأنثى، في مراحله السنية المختلفة، شباب وزهرات، وطلاب وطالبات.. إخوة وأخوات.. وآباء وأمهات.. ثم تتناول برامج للشرائح، وتطبيق عملي لهذه البرامج، في العمال والفلاحين والمهنيين".
ويضيف بديع، ردًّا على اتهام المناهج بالانغلاق، قائلا، عند تقديم الإخوان للمحاكم العسكرية مرتين، في العقد الأخير: "وقد اتُّهِمت الجماعة بأن هذه الكتب تضم فكرًا منغلقًا، وتربي أجيالا على الإرهاب، وتم تحويل هذه الكتب إلى المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية..
وقد قرر المجلس أن هذه الكتب تحمل الإسلام الصحيح الوسطي، ويتمنى المجلس أن تُعمَّم هذه الكتب وهذه الدراسات؛ ليستفيد منها المسلمون كافة ".
وحول نوعية مقرري وواضعي المناهج داخل الجماعة يقول بديع: "تشكل لجان نوعية للاهتمام بكل زوايا الشخصية الإسلامية، للتربية، ونشر الدعوة، والسياسة والاقتصاد والإعلام والبر والنشاط البرلماني، وتهتم بدراسات تتناول العمل الإسلامي العالمي، وكيفية تقديم الإسلام في صورة صحيحة للآخرين، نظريًا وعمليًا، بالقدوة والسلوك".
وحول مدى تطور المنهج يقول بديع: "بالطبع أصول المنهاج لا خلاف عليها، ولكن يضاف إليها ما يناسب كل مرحلة، ولهذا تصنف الجماعة أدبيات وإصدارات، يرجع إليها ما يستجد من قضايا ومشكلات، داخل الجماعة أو خارجها، ومثال ذلك إضافة إصدارات الأستاذ مصطفى مشهور، وإصدارات الجماعة في الفترة الأخيرة، عن المرأة والأحزاب والإخوة الأقباط، وما تضمنه في خطوط عامة برنامج الحزب".
ويضيف بديع "تتم مراجعة دورية للمنهج باللجنة العليا للمناهج؛ التي تستعين بأصحاب الخبرات التربوية المتخصصة، من الجماعة، ومن الأساتذة الخبراء من خارجها، بحيث لا يضاف إلا ما تحتاج إليه المرحلة، قبل التربية السياسية، والتربية المجتمعية، والمجالات المهارية الثقافية والعملية المطلوبة".
ويرى بديع، أنه مما "يغني فكر وحركة الجماعة استفادتها من كل نصيحة، بل حتى من كل نقد يُوجَّه إليها، بهدف تحسين الأداء، وتوجد كتب معتمدة بشكل عام لتوحيد الفكر، ويضاف إليها ما يُختار من المكتبة الثقافية؛ التي يراجعها الأساتذة المتخصصون؛ لتجمع بين خط فكرى واحد صحيح، يسمح بالتنوع لا بالتفرق

منهج متخلف

الدكتور إبراهيم البيومي غانم، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية، ورئيس قسم الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية بمصر، يرى أن "المنهج الثقافي للحركات الإسلامية بشكل عام، والإصلاحية - بشكل خاص- فات الزمن الذي كانت توضع فيه بمعرفة القائد أو الزعيم أو الشيخ، وأصبح من الحتمي أن تتولاها لجان متخصصة، تضم خبراء في فروع معرفية متعددة.
لأن الفرد العضو الذي يدخل في ميدان الإصلاح، أو يهيئ نفسه للمشاركة في الإصلاح، والعمل من أجل مواجهة مشكلات المجتمع، والتحديات التي يتعرض لها، أصبح التكوين الثقافي العميق والمتجدد شرطًا لا غنى عنه في تكوينه، وإذا حدث قصور في هذا التكوين يصبح هذا الفرد عبئًا للإصلاح، وليس إضافة إليه، أو قوة دافعة على طريق الإصلاح، مهما حسُنت نيته، وصدقت توجهاته، بدون الإعداد الجيد بالشروط المعاصرة".
ويضيف غانم، الذي كانت رسالته لنيل درجة الماجستير بعنوان "الفكر السياسي عند الإمام الشهيد حسن البنا": "أما من ناحية المضمون، فمضمون المنهج الثقافي التربوي يجب أن يستلهم أولا القيم الأساسية لعمليات التربية والتنشئة، من منظور متعدد الأبعاد، أولها البعد الشرعي الأصولي، وثانيها البعد التاريخي والتراثي، وثالثها البعد الحاضر، والمنفتح على تجارب العالم ومشكلاته"، ورابعها أن يكون من مصادر متنوعة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يجب أن يتضمن آليات تحث على النقد، ومهارة ممارسة النقد، فيما يسمع ويقرأ ويتلقى، وفيما يقول هو نفسه "ثانيًا المقارنة؛ ليعرف الفروق بين المتشابهات، والمشتركات بين المختلفات، كما يجب أن يتضمن البرنامج ما يدربه على التجديد والابتكار والاجتهاد، وبمفرده، من دون الاستعانة بأحد".
ويؤكد بيومي، أن المناهج الثقافية للحركة "أصبحت غير صالحة أساسًا، حتى لمجرد القراءة. وأغلبها أصبح عبئًا، والكثير منها لا يقرؤه أحد؛ لأنها مفصولة عن الواقع، فلا بد من وضعها على أيدي متخصصين، وأن يضعها أهل الثقة لا أهل الخبرة، فلا بد أن يدرس في المناهج، مثلا، آخر كتاب لجوهان تالتونج في العلاقات الدولية، وعلي مزروعي في السياسات الإفريقية، وحمزة علوي في اقتصاديات البلاد الخاضعة، وهكذا فالمناهج التقليدية - طبقًا لبيومي- يتعلمها العضو من أي مكان، أما المنهج الثقافي الإصلاحي فهو ما يجب أن يدرس في الأسر". ويشدد بيومي، على أن "مواد المنهج الثقافي يجب أن تتعدد بتعدد نواحي الحياة، وبتعدد المشكلات، وبتعدد تجارب مواجهة هذه المشكلات، بغض النظر عمن كتبها، أو مكان كتابتها، حتى لا يتحول العضو في الحركة إلى عبء".
تطور بطيء
خليل العناني، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، والخبير المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، يرى أن "المراجعة تتم وتختلف من حركة إلى أخرى، حسب الظرف الذي تعيشه الحركة، ودرجة المراجعة أضعف منها داخل العدالة والتنمية في المغرب، والسلم في الجزائر؛ لأن الظرف السياسي الذي تعيشه جماعة الإخوان في مصر يحتم عليها أن تركز على العمل السياسي أكثر من الثقافي".
ويضيف العناني، الباحث البارز في معهد «بروكينجز»للأبحاث بالعاصمة الأمريكية واشنطن، أن "المنهج داخل الحركات الإسلامية على ثلاثة مستويات، المنهج التربوي التنظيمي، والمنهج السياسي، والمنهج التثقيفي، فيهتم المنهج التربوي التنظيمي - طبقًا للعناني- بإعداد الأفراد وتنشئتهم على أسس تنظيمية معينة؛ لتوثيق انتمائهم للجماعة، ويستمد المنهج السياسي عند الحركة من العمل السياسي، أما المنهج التثقيفي، ويقصد به الثقافة العامة". ويرى العناني، أن الحركات الإسلامية - وعلى رأسها الإخوان- تحدث مراجعة للمناهج التربوية التنظيمية، على فترات متباعدة، لا تواكب درجة تطور الأحداث السياسية، وهو ما يعني أن الإخوان في مصر، على سبيل المثال، ليست لديهم مرونة في القضايا الداخلية، فالمنهج التربوي يُعلي من قيم القيادة واحترام الأقدم والطاعة، والمنهج يُعاد النظر فيه كل 7 أو 10 سنوات.
ويرى العناني، أن المناهج تكاد تقتصر على الجانب التنظيمي، وأول مصْدَريْن هما الكتاب والسنة، ثم رسائل البنا، وهؤلاء لا يكاد فرد إخوان لا يمر بهم، ثم باقي الوسائل أو المصادر تختلف من مستوى إلى مستوى، ومن مكان إلى آخر، فدرجة العضوية تتحكم في المنهج، فبعضها يعتمد على كتب محمد أحمد الراشد أو فتحي يكن أو سعيد حوى، وإن كان الإخوان توقفوا عن الرجوع إلى كتب الأخير، وبعضها يرجع إلى كتب سيد قطب بشكل تطوعي.
ويضيف العناني "يجب أن نفرق بين ما يتم فرضه بصفته مقرراً، وبين ما تتم قراءته بشكل تطوعي. وما يتم فرضه غالبًا كتب البنا والراشد وعلي الصلابي، والقيادات الوسطى غير المعروفة إعلاميًّا، أمثال أنور حامد وغيرهم". وحول الآثار السلبية المتوقعة لجمود المناهج، أو عدم تطويرها وحصرها في مصادر معينة، يقول العناني: إن "المشكلة أنه، من خلال الالتزام ببعض البرامج التربوية المحددة، وتنشئة الأفراد بشكل أحادي الجانب، يؤدي ذلك إلى نوع من عدم المرونة، والاقتصار على كتب بعينها قد يؤدي إلى اختلاف الأشخاص على مستوى الفكر (محافظ - معتدل..). فالتيار الإصلاحي خرج من ثوب المنهج التنظيمي، وانفتح على القراءات الآخرى، كما أن المنهج الجامد - والحديث للعناني- يؤدي إلى عدم المرونة، وعدم القدرة على مسايرة الواقع، ومحكوم بإطار تنظيمي تربوي، فيصبح أسيرًا لها، من دون الانفتاح على التيارات الأخرى، فحصر التربية في قالب ينتجه الإخوان فقط، أو أبناء حركة ما - طبقًا للعناني- يضر الحركة، فلا بد أن يكون المنهج مطعَّمًا من غير الإخوان، فمن غير العقلانية أو الرجاحة أن تقرأ للإخوان أو منظري الحركة فقط".
ويبرر العناني ذلك، بأن انفتاح العضو في الحركة - في قراءاته- على المدارس المختلفة، سواء الإسلامية أو غير الإسلامية، يوسع من نظرته إلى الأمور، ولا تحصره في إطار عقائدي معين، وهذا يجعل حركته بطيئة، وأحيانًا يكون المجتمع متقدمًا على الإخوان، وحينها من الصعب أن يقود الإخوان مجتمعًا متقدمًا عليهم، رافضًا أن تخاف الحركة من الانفتاح على الآخر خشية التأثير على وحدتها، فالتنوع قوة، وإدارة التنوع بشكل ديمقراطي أقوى من المجتمع أحاديِِّ التفكير.
ويرى العناني، أن "هناك جمودًا، حتى في البرامج التربوية التنظيمية، وتطعيمها بأفكار حداثية ومتقدمة صعب للغاية، فالشخص الإخواني تنظيميًّا أقوى، ولكنه أضعف في امتلاك الرؤية من غيره، وقد ثبت تاريخيًّا أن الحركة الإسلامية التي لا تتمتع برؤية سياسية واسعة، وذات أفق ضيق، تخسر، والعكس صحيح". ويرى أن "الحركة لم تزرع في العضو أن يطور نفسه ذاتيًّا، خوفًا من أن يتركها إذا فعل ذلك من إزاء نفسه، والحل - طبقًا للعناني- أنه لا بد من قدر من المخاطرة، بفك الارتباط بين الأخ التنظيمي وبين المناهج، فلا بد أن يقرأ بحرية، فأساس ارتباط الشخص بالإخوان ليس التنظيم بل الفكرة، فهناك شخصيات تركت التنظيم ولم تترك الإخوان فكريًّا، مثل الغزالي والباقوري والقرضاوي

أفكار للتطوير

وصفي عاشور أبو زيد، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والباحث الشرعي بالمركز العالمي للوسطية بالكويت، يرى، أن المناهج يجب أن "تخضع للفحص والتقويم، والمراجعة والتقويم؛ لاعتبارات متعددة ومتنوعة، أهمها تغير العصر، وتطور الأوضاع، بما يوجب النظر في المناهج؛ لمواكبة هذه التغيرات، ويستوعب تلك المستجدات، سواء كانت على مستوى الأفراد، أو التخصصات، أو الواقع، وتغير الأجيال البشرية وتفاوتها قوة وضعفًا، ثقافة وجهلا، يقظة وغفلة؛ بفعل ضعف الأجيال، وفعل التحكم الحياتي فيها. ويضيف عاشور، أن هذه المناهج ليست وحيًا، بل هي من وضع بشر، ومن ثم فهي قابلة للتطوير، والأخذ والرد، والتصويب والتخطيء، وأن الحركة الناجحة والمتطورة هي التي تراجع نفسها في كل شيء، وفي المقدمة المناهج الثقافية التي تُربي عليها أعضاءها، فمن لم ينقد نفسه أو يطورها أو يراجعها يتراجع، ويُمسِ في مؤخرة القاطرة، إن كانت القاطرة تقبله في مؤخرتها". ويرى أبو زيد، أن تطوير المناهج الثقافية والتربوية للحركة الإسلامية له أبعاد، ولكل بعد منها اعتبارات وضوابط،. ويجب أن تُراعِيَ أبعادًا ثلاثة، وهي: واضعو المناهج، ومضمونها، ومتلقوها من الأعضاء. فبالنسبة إلى واضعي المناهج، كما يقول أبو زيد، فـ"لا يصح أن يقوم على وضع المناهج أو تثمينها وتقويمها وتطويرها الأكاديميون؛ الذين يكون شغلهم الشاغل في معالجة العلوم بين الكتب والأوراق، وهم منبتّون عن حياة الحركة، وواقع الأمة، وكذلك لا يصح أن يقوم على ذلك الحركيون؛ الذين تتركز اهتماماتهم في الحركة والتنظيم والعمل الإداري، ولا نصيب لهم من التخصصات المختلفة؛ التي تُستخلص منها مناهج تدرس لأبناء الحركة. بل المتصور - طبقًا لأبو زيد- أن يقوم على هذا الأمر الخطير متخصصون، لهم باع معتبر في تخصصهم، وفي الوقت نفسه مشاركون ومنهمكون في العمل الحركي والدعوي، أصحاب أفق واسع، وعقلية مرنة، واستيعاب شامل، ولديهم بصيرة وفراسة بمجريات الأمور، ولهم اطلاع وإدراك لتحديات الحركة، وواقع الأمة. أما مضمون المناهج نفسها، فيرى أبو زيد أن له شروطًا، منها أن يكون مجملاً في كل تخصص، وشاملا ومستوعبا، يختصر ما لا يستحق التطويل والبسط، إلا ما تدعو الضرورة إلى بسطه، ويبسط ويطيل فيما هو من صلب المادة، ومتطلبات المرحلة، ومراعيا التطورات والمستجدات العصرية، ومستوعبا لطبيعة الواقع؛ حتى لا نغرد خارج السرب، ولا نصرخ في واد، أو ننفخ في رماد، ومناسبا للجيل المعاصر، بما لا يعمل على تشويهه، أو تفريغه من المضمون، ولا يهمل الأصول التي يجب أن تدرس في كل علم، أو أية مادة.
وأن تخضع هذه المناهج للتثمين والتقويم، في ضوء الأهداف الموضوعة لتحقيقها: هل حققت أهدافها في الأعضاء؟، هل استوعبت متغيرات العصر؟، هل لبَّت حاجات الأفراد؟، هل أثمرت ثمرتها المرجوة في واقعها المعيش؟، وهكذا، ويترك أمر التثمين إلى ما يتطلبه من تغيرات عصرية، وتطورات واقعية، وتحديات حركية؛ بحيث تكون هناك مرونة للاستيعاب الشامل، كما يجب أن تعالج المناهج المفاهيم التي سادت خطأ: مثل تقديم مصلحة التنظيم على مصلحة الأمة، أو أن يصير التنظيم هدفًا، وهو في الأصل وسيلة، أو تكريس مفهوم السمع والطاعة، من دون فهم واستيعاب يؤديان إلى الحركة الواعية، والدعوة الراشدة، وتجنب الأخطاء الواردة، أو تقديس القادة والمسؤولين إلى درجة تجعلهم فوق المراجعة والنقد، ولكن تعيد الأمور إلى نصابها؛ بحيث يخضع الجميع للمراجعة في ضوء آداب النصيحة، وإعطاء كل ذي حق حقه، كما يرى أبو زيد أن المناهج يجب أن تُسْتَقى من كل المشارب العلمية، والاتجاهات الحركية، قديمًا وحديثًا، ما دامت ستحقق الأهداف المرجوة، ولا تقتصر على عالم بشخصه، أو تيار بعينه، أو زمن فلا نتعداه، أو كتاب في تخصص معين فلا نتخطاه، بل الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها.
ويرى أبو زيد، أن في ذلك وسيلة فعالة، في العمل على التفاهم بين الحركات العاملة، وتقارب وجهات النظر، ومعرفة الحق فنتعاون عليه، ومعرفة الباطل فنتكاتف ضده، ومعرفة مناطق الخلاف فنتعاذر فيها، ونتحاور حولها، بالحكمة والموعظة الحسنة.
أما البُعد الخاص بالأعضاء، المستهدف من المناهج، فيرى أبو زيد أنه ينبغي أن تُراعَى إزاءه عدة أمور، منها أن تُراعَى المرحلة التي يمر بها؛ فلا يدرُس مناهج فوق طاقته، أو يكلف بأعمال ليست في وسعه، وألا يوضع في مستوى ثقافي أقل منه فيُحبَط، أو أعلى منه فيَهبِط، بل يكون في مستوى يتناسب مع حالته الثقافية والتربوية؛ لأن هذا يكون له الأثر في اتساقه مع ذاته، ونموه بشكل طبيعي، من دون إفراط ولا تفريط،، وأن يراعى في القائد، أو المسؤول عن الأعضاء، المستوى الثقافي والتربوي والرباني، فلا يكون أقل منهم ثقافيًّا وعلميًّا، وتربويًّا وإيمانيًّا؛ حتى تؤتي العملية التربوية أكلها، وتثمر ثمارها، ونتجنب المشكلات التي يمكن أن يتمخض عنها تدني مستوى المسؤول عمن حوله، علميًّا وربانيًّا.

عن مجلة الأمة

Comments
أضف جديد
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

تاريخ آخر تحديث ( الأحد, 10 أكتوبر/تشرين أول 2010 11:09 )
 
جديد المقالات