كتب معراج المغاربة    الثلاثاء, 01 يونيو/حزيران 2010 12:34    | طباعة |  البريد الإلكترونى
سلسلة مناقشات: (1) الصلات العسكرية والاجتماعية والثقافية بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز خلال العصر الوسيط/ الدكتور سعيد بنحمادة- أستاذ باحث- الرشيدية
من القضايا التي ما فتئت تشغل الباحثين في حقل التاريخ ما يتعلق بطبيعة العلاقات بين المغرب والمشرق الإسلاميين منذ العصر الوسيط، والتي انقسم بشأنها المتخصصون إلى فريقين؛ أحدهما يؤمن بوحدة الظاهرة وسيولة التاريخ الإسلامي؛ والآخر يشدد على القطيعة.
وإذا كانت المسألة قد أثيرت في مناخ أكاديمي وإيديولوجي معين، فإن التراكم الذي حققته الدراسات التاريخية منذئذ بالمغرب من شأنه أن يعيد النظر سواء في نتائج الأطروحتين معا، أو في الآليات المعرفية والمنهجية التي استند إليها كل اتجاه.
وفي هذا الإطار يمكن إدراج الأطروحة التي نوقشت مؤخرا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، ضمن وحدة البحث والتكوين في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للغرب الإسلامي خلال العصر الوسيط، والتي تقدم بها الباحث سعيد حمد الكلباني، لنيل الدكتوراه في التاريخ في موضوع "الصلات العسكرية والاجتماعية والثقافية بين الغرب الإسلامي وبلدان الخليج العربي من القرن 1هـ/7م إلى 6هـ/12م: بلاد الحجاز نموذجاً "إسهام في دراسة الصلات الحضارية المغربية الخليجية"، أمام لجنة علمية مكونة من الأساتذة الدكتور حميد تضغوت رئيسا، والدكتور إبراهيم القادري بوتشيش مشرفا ومقررا، وعضوية كل من الدكتور السعيد المليح والدكتور أحمد المحمودي، والدكتور محمد حسن (تونس)، والدكتور عبد الواحد شعيب (ليبيا)، والتي حصل بموجبها الباحث على ميزة مشرف جدا مع التوصية بالطبع.
انطلق الباحث من التساؤل عن رسوخ المعالم الحضارية الكبرى للغرب الإسلامي وأصولها وتجلياتها، والتي حصرها في الطابع القبلي للمجتمع، ومؤسسات الدولة، وتجذر المذهب المالكي، والتصوف؛ ملاحظا أن أهمية التأثير الخليجي على الاقتصاد والمجتمع والسياسة والثقافة ببلاد المغرب والأندلس، اللذين لم يكتفيا باستقطاب تلك المعالم الحضارية وإنما أثرا هما كذلك على الحضارة والمجتمع والذهنيات بالخليج العربي.
وقد شكلت تلك البواعث، في نظر الباحث، مبررا لاختيار القرن 1هـ/7م بداية للفترة التاريخية مدار أطروحته، بالنظر إلى أهمية الفتوحات الإسلامية في بناء الصلات المغربية الحجازية عسكريا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا. أما حصر مرحلة البحث في القرن 6هـ/12م فمرده إلى كون الغرب الإسلامي قد بلغ نضجه السياسي في هذا الفترة، حيث انتقل من التبعية السياسية والمذهبية للمشرق الإسلامي إلى الاستقلال الحضاري مع الخلافة الموحدية، وإن كان الأمر يعود، في نظر الباحث، إلى القرن 4هـ/10م عند إعلان الخلافة الأموية بقرطبة في إطار الصراع السياسي والمذهبي بين العباسيين ببغداد، والفاطميين بإفريقية وبعدها بمصر، والأمويين بالأندلس.
ومن ثم فالإشكالية المركزية للأطروحة، حسب تقدير صاحبها، تتمحور حول الكشف عن الأسباب الثاوية وراء عمق الصلات المغربية الحجازية واستمرارها، وسيولتها الحضارية، وتجلياتها الاجتماعية والثقافية.
ولتأصيل تلك الإشكالية ومحاورها المركزية وقضاياها الفرعية كان من اللازم الاستناد إلى رؤية نقدية لمكانة الموضوع في الدراسات الحديثة، حيث يلاحظ قصور الاهتمام الشمولي من قبل الباحثين، الذين تناول بعضهم جانبا من العلاقات الخليجية المغربية دون غيره، وهو ما حتم ضرورة الرجوع إلى المصادر التاريخية المباشرة والدفينة؛ مثل كتب التاريخ السياسي والرحلات والجغرافيا وكتب البلدان والطبقات والتراجم والأنساب والأدب والأمثال والفهارس والبرامج والمشيخات والتصوف والمناقب والفقه والأحكام والنوازل.
وجاء استغلال هده المتون وفق تصور ورؤية شموليتين، ومنهج يدمج بين المحدد والتجلي، والسبب والأثر، مع تنويع العوامل لتجنب السقوط في التبرير الأحادي للظواهر والقضايا، والسعي لتوثيق النصوص والمعلومات حرصا على الأمانة العلمية التي تتطلبها الدراسة الأكاديمية.
وبناء على ذلك، قسمت الأطروحة إلى مقدمة، وثلاثة أبواب من ستة فصول وخاتمة وملاحق وقائمة للمصادر والمراجع وكشاف.
أما المقدمة فهي تأطير إشكالي وزمني للدراسة. وأما الباب الأول فخُصّصَ لـ"الصلات المغربية- الحجازية بين الحوافز والمعوقات"؛ إذ كان موضوع الفصل الأول "الحوافز المشجعة لبناء الصلات العسكرية"؛ ونوقشت فيه الحوافز العسكرية والسياسية، من حيث الجهاد ونشر الإسلام واللغة العربية والعوامل السياسية، والدوافع الدينية والعلمية التي يدخل فيها الحج والمجاورة وزيارة الأماكن المقدسة والرحلة في طلب العلم، والحوافز الاجتماعية والاقتصادية كالطرق ووسائل المواصلات والحوافز الأخلاقية والنفسية. في حين يتعلق الفصل الثاني بـ"المعوقات وتحدياتها" وتدخل ضمنها المعوقات الطبيعية والحربية والأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وأما الباب الثاني فيتركز حول "جوانب من الصلات الاجتماعية والثقافية بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز"، ويضم الفصل الأول الخاص بـ"دور العلم والعلماء في ترسيخ العلاقات المغربية- الحجازية"؛ وتناول فيه الباحث إسهام المذهب المالكي في بناء العلاقات المغربية- الحجازية، مركزا على شخصية الإمام مالك بن أنس t وأثرها في ترسيخ أواصر التواصل مع طلابه من أهل الغرب الإسلامي والاحترام المتبادل بين العلماء الحجازيين وطلاب العلم وتكوين الشخصية المالكية بالغرب الإسلامي، ودور الرحلات العلمية في التواصل المغربي- الحجازي، متتبعا بعض نماذج الرحلة العلمية المغربية للحجاز وشخصياتها وأماكن تعليم الطلاب المغاربة بالحجاز. في حين تطرق الفصل الثاني من هذا الباب لـ"صور المجتمع الحجازي وثقافته من خلال الكتابات المغربية الوسيطية"؛ حيث وقف على بعض خصائص تلك الكتابات، وفئات المجتمع الحجازي كما شاهدها المغاربة والأندلسيون في العصر الوسيط؛ والمتكونة من الأمراء والبدو والحرفيين والعبيد والمجاورين؛ ناقلا صوراً من الحياة الاجتماعية، وتخص العادات والتقاليد الحجازية واللباس، وجوانب من ثقافة الحجاز كالمراكز العلمية والتعدد المذهبي والمعتقدات الشعبية. في حين عمدت الأطروحة في الباب الثالث إلى التفصيل في "نتائج الصلات العسكرية والاجتماعية والثقافية بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز"؛ وجعل صاحبها الفصل الأول منه خاصاً بـ"نتائج الصلات العسكرية والاجتماعية"، فتطرق إلى النتائج العسكرية والسياسية والإدارية، والنتائج الاقتصادية والاجتماعية، والآثار العمرانية والفنية والموسيقية المتبادلة. وفي الفصل الثاني تحدث عن "النتائج الثقافية والروحية"؛ فجاء الكلام عن سيادة المذهب المالكي بالغرب الإسلامي والدفاع عنه في مواجهة المذاهب الأخرى، والطرق التعليمية ودورها في التواصل الثقافي، والتأليف وانتقال الكتب والعلوم، والقضاء والفتيا على المذهب المالكي بالغرب الإسلامي، ودور التكوين العلمي المالكي في تولي المناصب والوظائف، والصلات الروحية بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز.
أما الخاتمة فقد جمعت ما تفرق في متن الأطروحة من نتائج وخلاصات، يمكن إجمال أهمها في:
- أهمية الحوافز العسكرية في الصلات الاجتماعية والثقافية بين الغرب الإسلامي وبلدان الخليج العربي، وخاصة الجهاد والدوافع السياسية، والتي أدت إلى أسلمة المجال والمجتمع المغربيين وتعريبهما، وإقامة دول إسلامية ونظام حكم في المنطقة. ولذلك لم يكن التركيز في الأطروحة على التاريخ الحربي الحدثي، بقدر ما كان الاهتمام منصبا على النظم والبنى العسكرية؛ من قبيل إنشاء أسطول حربي بحري، وقيادة برية وبحرية محلية بالغرب الإسلامي، والدور العسكري للمغاربة في المشرق، ولا سيما زمن الحروب الصليبية، حيث تصدوا للصليبيين ومنعوهم من الدخول للمدينة المنورة.
وتلك الاعتبارات هي التي جعلت القرن 1هـ/7م، يشكل المرحلة الأساس للصلات العسكرية والاجتماعية والثقافية بين بلاد الحجاز والغرب الإسلامي؛ منذ ولاية عمرو بن العاص الذي يعد أول قائد دخل إفريقية فاتحا، والذي ترسخ بفضل بناء عقبة بن نافع لمدينة القيروان، التي فتحت آفاقا للصلات الدينية والفكرية والاجتماعية بين المغاربة والحجازيين، إضافة إلى دورها العسكري باعتبارها قاعدة حربية.
وسيبرز البعد الإداري والمالي للتواصل الحجازي المغربي في ولاية حسان بن النعمان، قبل أن تبدأ شخصية الغرب الإسلامي في التبلور على مستوى التنظيم الإداري بعدما أصبح موسى بن نصير والياً على إفريقية والمغرب، حيث لم تعد بلاد المغرب والأندلس تابعة إدارياً وعسكرياً وسياسياً لوالي مصر، بل تربطها علاقات تنظيمية مباشرة مع العاصمة دمشق.
وعلاوة على ذلك كان للعوامل السياسية أثر واضح في دمج الغرب الإسلامي في حدود الدولة الإسلامية، وربطه بها ربطا عسكريا وسياسيا وإداريا وماليا، سواء زمن الاستقرار، أو خلال بعض الفتن والتمردات، التي تحولت إلى إكراهات سياسية أفضى بعضها إلى ميلاد إمارات سياسية وافدة من بلاد الحجاز، مثل الإمارات الخارجية والدولة الإدريسية. كما أن العامل السياسي نفسه هو ما حمل الفاطميين بمصر، وانتقاما من الزيريين بإفريقية، على تسليط قبائل بني هلال على الغرب الإسلامي.
والملاحظ أن الصلات العسكرية والسياسية بين المنطقتين، حسب الأطروحة، كانت ذات مظهرين، تمثل المظهر الأول في استقبال الغرب الإسلامي للعسكريين الحجازيين من القادة والمجاهدين من الصحابة والتابعين وغيرهم، وتوجه بعض المغاربة والأندلسيين نحو بلاد الحجاز فرارا من الفتن. والمظهر الثاني يتجلى في ميلاد إمارات سياسية ذات أصول حجازية ببلاد المغرب والأندلس، وفي رغبة بعض الأمراء بالغرب الإسلامي في الاستفادة من مبايعة الحجازيين لهم لإضفاء الشرعية على حكمهم، كما حصل للأمويين بالأندلس الذين استبشروا بتنويه الإمام مالك بحكمهم.
- أجملت الدراسة الحوافز الدينية والعلمية في الحج والمجاورة وزيارة الأماكن المقدسة والرحلة في طلب العلم التي أسفرت عن تخريج "أطر مغربية" حظيت بالتوقير والاحترام من قبل المجتمعين المغربي والحجازي على السواء، خاصة وأن الرحلة العلمية نحو بلاد الحجاز كانت ذات تنظيم محكم رغم عدم خلوها من المشاق والصعوبات.
ومن الخصائص التي تنبه لها الباحث بخصوص الحركة العلمية السيارة بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز أن الثقل كان راجحا لصالح هذه الأخيرة، لكونها استقطبت المغاربة والأندلسيين أكثر من رحلة الحجازيين إلى بلاد المغرب والأندلس من جهة، ورسوخ المذهب المالكي ببلاد المغرب والأندلس، وغلبة علم الحديث على العلوم الأخرى من جهة ثانية.
- أهمية التجارة في التواصل المغربي الحجازي، لا سيما وأن طرق قوافل الحجيج تداخلت مع المسالك التجارية، وجعلت الحج يحدث شبكة طرق وأسواق على طول الطريق الرابط بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز، ومكنت بعض الأسر المغربية من ممارستها للتجارة بالمدينة المنورة، ومن ثم خلصت الدراسة إلى أن ركب الحاج والقوافل التجارية كان بمثابة مؤسسة ذات نظم وقوانين تسهل الرحلة للأغراض الدينية والعلمية والاقتصادية، قبل أن تشرف الدولة على ذلك بنفسها ابتداء من القرن 7هـ/13م، حيث أعطت لركب الحاج المغربي (الركب الفاسي) طابعا رسميا.
- دور الدوافع الأخلاقية والنفسية، لارتباطها بالعامل الديني، في توجه المغاربة والأندلسيين إلى بلاد الحجاز، كالتوبة والتأسي بكبار العلماء الحجازيين، وتعظيمهم للكعبة المكرمة والمسجد النبوي الشريف وغيرهما من البقاع المقدسة بالحجاز وتشوقهم إليها، وهو ما ولّد صنفا من الأدب ممثلا في القصائد والرسائل التي كانوا يبعثونها إلى المقام النبوي. وبعض هذه العوامل هي التي جعلت بعض الحجازيين يغادرون بلدهم للاستقرار ببلاد المغرب والأندلس.
- أن الصلات المغربية الحجازية لم تسلم من معوقات، التي منها ما أطال فترة الفتوحات الإسلامية ببلاد المغرب والأندلس، والمتعلقة بالمعوقات الطبيعية والحربية والأمنية والسياسية، بفعل الصراع السياسي والمذهبي بين الخلافات والدول المشرقية والمغربية، ومن أثارها دخول قبائل بني هلال إلى الغرب الإسلامي خلال منتصف القرن 5هـ/11م، وأدت إلى إفتاء بعض العلماء بإسقاط فريضة الحج. هذا إضافة إلى المعوقات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالفقر وارتفاع تكاليف السفر.
- إبراز فعالية المذهب المالكي في تقوية تلك الصلات، والتي اعتبرتها الأطروحة إحدى أهم حلقات التواصل الثقافي والاجتماعي بين المنطقتين، والتي دشنتها شخصية الإمام مالك وقوة روابطه مع طلابه المغاربة والأندلسيين، من خلال إقامة بعضهم عنده وحضور مجالسه العلمية، والاعتناء بموطأه، واستفتائهم له، واعتماده هو كذلك على بعض رواياتهم، وتقديره لهم ومصاهرة بعضهم، واهتمامه بأخبار الغرب الإسلامي.
وقد تواصلت العلاقات الاجتماعية والعلمية بعد وفاة إمام دار الهجرة، بفضل الاحترام الذي طبع علاقة العلماء الحجازيين والطلاب المغاربة والأندلسيين، رغم بعض حالات التنافر التي لم تؤثر على ذلك التواصل. ومن ثم خلصت الدراسة إلى أن التواصل الاجتماعي والثقافي بين المغاربة والحجازيين قام على الاحترام المتبادل المستند إلى الشرف والعلم.
- تكوين الشخصية المالكية بالغرب الإسلامي، ويقصد بها تمسك المغاربة والأندلسيين بالمذهب المالكي وبلوغهم درحة الاجتهاد فيه، ومخالفتهم للإمام مالك في بعض القضايا الفقهية دون الخروج عن المذهب، مع التفصيل في أسباب سيادة مذهب إمام المدينة ببلاد المغرب والأندلس دون غيره من المذاهب الأخرى.
أما بخصوص أسباب مالكية أهل الغرب الإسلامي، فقد عزتها الدراسة إلى تشابه الظروف الطبيعية والاجتماعية بين بلاد الحجاز وبلاد المغرب والأندلس، بما نعته ابن خلدون بـ"البداوة"، وسماه بعض الباحثين المعاصرين بـ"التفسير البيئي"؛ فالبداوة في التحليل الخلدوني، كما توصل إلى ذلك البحث، لا تعني قدح صاحب "المقدمة" في المجتمع الحجازي، بل ترتبط بـ"طبائع العمران"، ويقصد بها القواسم الجغرافية والثقافية والقبلية المشتركة بين المجتمعين المغربي والحجازي. إضافة إلى ذلك فقد أسهم الخلفاء والأمراء في ترسيخ المذهب المالكي بالغرب الإسلامي، كما أن بساطته وعدم تفصيله في التفريعات النظرية المعقدة واعتماده "فقه الواقع" شجعت المغاربة والأندلسيين على تفضيله، ولذلك تتبع المؤلف دور الرحلة العلمية، من خلال بعض النماذج والشخصيات، في التواصل المغربي- الحجازي وترسيخ المذهب المالكي.
- كان من نتيجة وصول المغاربة والأندلسيين إلى الحجاز نقلهم لصور المجتمع الحجازي وثقافته، وهو ما ولد صنفا من التأليف نعتته الدراسة بالكتابات المغربية الوسيطية عن المجتمع الحجازي، وقد وقف الباحث عن خصائص تلك المؤلفات، من قبيل دقة الوصف، وتصحيح بعض الأخطاء الشائعة حول المعتقدات الحجازية، وطول السرد، والمقارنة بين جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز، وغلبة المعلومات المتعلقة بمكة المكرمة أكثر من تلك المتعلقة بالمدينة المنورة بفعل طول مدة مقام المغاربة والأندلسيين بأم القرى.
ومن ثم فقد جاء وصف الكتابات المغربية للحياة الاجتماعية والثقافية ببلاد الحجاز متكاملة؛ فحسب ما جاء في البحث، فقد نقل المغاربة والأندلسيون صورا ومعلومات عن بعض الفئات الاجتماعية كالأمراء، والبدو الذين شكلوا غالبية المجتمع الحجازي، والحرفيين، والعبيد، والمجاورين. أما المشاهد المتعلقة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية فارتبطت بالحديث عن التجارة والزراعة، والعادات والتقاليد التي غلب عليها الطابع الاحتفالي، سواء كانت احتفالات دينية أو شعبية أو مرتبطة ببعض الفصول كالخروج إلى المنتزهات، وهي العادة التي تشبه ما دأب عليه الأندلسيون، مما اعتبرته الأطروحة من العادات الاجتماعية المتبادلة بين الغرب الإسلامي وبلاد الخليج العربي، لا سيما وأن بعض الفلاحين المغاربة أسهموا في خدمة الأرض بالحجاز. أما عادات اللباس والتجميل لدى الحجازيين فتعكس تفاوت الفئات الاجتماعية من جهة، وتبرز قوة التأثير والتأثر بين المغاربة والحجازيين من جهة ثانية.
أما الحياة الثقافية بالمجتمع الحجازي، كما وصفتها الكتابات المغربية الوسيطية؛ وكما توصلت إلى ذلك الدراسة، فقد تركزت في الحرمين الشريفين، وشملت المدارس والربط وبيوت العلماء والمكتبات العامة والخاصة، واتسمت بالتعدد المذهبي، وكثرة المعتقدات الشعبية حول بعض الأماكن المقدسة والبدع التي انتقدها المغاربة والأندلسيون.
- أن التأثير الاجتماعي والثقافي المتبادل بين المجتمعين المغربي والحجازي يؤشر إلى عمق النتائج التي أفرزتها الصلات موضوع الدراسة، حيث توصلت الدراسة إلى أن تلك النتائج شملت الجوانب العسكرية والاجتماعية والثقافية والروحية.
فأما الجانب الأول فقد تعددت نتائجه من حيث نشر الإسلام واللغة العربية وتوحيد القبائل تحت راية الخلافة الإسلامية، وتقوية النفوذ العسكري البري والبحري الإسلامي ببلاد المغرب والأندلس، وهو ما أساء بعض المستشرقين فهمه، حسب الباحث، لمّا عزوا نجاح النتائج المرضية للفتوحات الإسلامية بالغرب الإسلامي إما إلى العنصر الثقافي أو الاقتصادي، أو إلى طبيعة العقلية البربرية، أو اعتبار الفتوحات غزوا عسكريا محضا.
كما أسفر التواصل العسكري بين الحجازيين والأهالي ببلاد المغرب والأندلس عن نظم وخطط واستراتيجيات عسكرية تعكس التأثير القبلي المحلي وحضور الأهالي في النتظيم الإداري للجيوش الإسلامية الوافدة من المشرق.
وبالمثل فإن إنشاء المسلمين لأسطول بحري يضاهي الأسطول المسيحي بالغرب الإسلامي يعد من أهم النتائج التي أفرزتها الصلات العسكرية المغربية- الحجازية، وهو ما قامت به مدينة تونس، التي بناها حسان بن النعمان لتكون قاعدة بحرية تحقق الغرض الحربي المذكور، بفضل دار صناعة السفن التي أقيمت بها، والتي شكلت النواة الأولى للبحرية الإسلامية بالغرب الإسلامي.
وهكذا تتضح أهمية النتائج العسكرية للصلات المغربية- الحجازية كما توصلت إلى ذلك الدراسة، والتي امتدت على طول الفترة موضوع البحث؛ فإذا كانت مرحلة الفتوحات تشكل تمهيدا لذلك، فإن القرون الموالية شهدت ترسيخا للتواصل العسكري، حيث أسهم المغاربة والأندلسيون وبفعالية في الدفاع عن بلاد الحجاز ضد الهجمات الصليبية، وخاصة المدينة المنورة التي جاهد أهل الغرب الإسلامي لمنع الصليبيين من دخولها.
أما النتائج السياسية والإدارية للصلات الاجتماعية والثقافية بين المجتمعين المغربية والحجازي، كما توصلت إلى ذلك الدراسة، فيعكسها اعتراف الأهالي بسيادة الخلافة الإسلامية بالمشرق، وهو اعتراف يجعل تلك السيادة نتيجة لأسلمة المجال والإنسان بالغرب الإسلامي وتعريبهما. وفي مقابل الاعتراف بسلطة الخلافة، اعترف الخلفاء لشيوخ القبائل بسلطة محلية.
واندماج بلاد المغرب والأندلس في "دار الإسلام" جعل السياسة والمجتمع والثقافة يخضعون لسيولة التاريخ الإسلامي، ويتأثرون بمجريات الأحداث بالمشرق؛ مما ولد حركة سياسية سيّارة بين المنطقتين، نجم عنها إقامة إمارات ودول مغربية ذات جذور حجازية، منها ما أقامه الخوارج بسجلماسة وتاهرت، ودولة الأدارسة التي أسهها إدريس الأول لمّا فر من معركة فخ، والدعم المشرقي للمرابطين، واستمداد المهدي بن تومرت مشروعه السياسي من رحلته إلى المشرق الإسلامي.
وتتمثل أهم النتائج الإدارية، وخاصة خلال القرنين الهجريين الأولين، في تحول بلاد المغرب والأندلس إلى ولاية تابعة لدولة الخلفاء الراشدين وبعدهم الأمويين والعباسيين، وتحول القيروان إلى عاصمة للغرب الإسلامي حيث أقيمت بها الدواوين. وهو ما اعتبرته الأطروحة بداية تبلور شخصية الغرب الإسلامي إداريا، خصوصا وأن ذلك تزامن مع مجموع الإصلاحات الإدارية المتخذة بهدف تعزيز الوجود الإسلامي بالمنطقة، وما أفرزته من نتائج مالية مرتبطة بالرواتب والعطاء والإقطاعات العقارية.
وبناء عليه فقد ارتبط البعد العسكري والسياسي والإداري لنتائج الصلات المغربية- الحجازية بالبعد الاقتصادي والاجتماعي؛ ذلك أن اختلاف الفتح العربي للغرب الإسلامي أثر على وضعية الأرض ونوع الضرائب المفروضة عليها.
وبالمثل أفرزت الصلات نشاطا تجاريا لتداخل الطرق التجارية بالمسالك التي كانت تعبرها القوافل، مما ساعد على تنشيط التجارة وازدهار الأسواق، وبإسهام من التجار المغاربة والأندلسيين، وهو ما جعل للتجارة أثر جلي في التواصل المغربي- الحجازي إلى درجة جعلت بعض المدن المغربية والمشرقية تتشابه أسماؤها وعمرانها.
أما النتائج الاجتماعية فتعكسها المصاهرات وتداخل الأنساب، وانتشار العادات والتقاليد المشتركة بين المجتمعين، وذلك بفضل استقرار أهل الحجاز ببلاد المغرب مع موجة الفتوحات الإسلامية، والهجرات القبلية الجماعية المتبادلة، التي قسمها الباحث إلى تلك التي تمت إلى حدود منتصف القرن 5هـ/11م، وتلك التي تمت بعده مع قبائل بني هلال، الذين وإن تميزوا في البداية بالتخريب، إلا أنهم أثروا إيجابا على المجال والمجتمع والذهنيات بالغرب الإسلامي، بفضل اندماجهم فيه، كما تعكس ذلك "السيرة الهلالية".
ومن نتائج الهجرات الجماعية، نشوء ظاهرة البيوتات الحجازية والمغربية، التي تعكس تجذر الاستقرار بالمجتمعين، وصلة ذلك بالتأثيرات العمرانية المتبادلة في تصاميم المدن، وأسامي الأزقة والأحياء، والربط والمساجد والأسواق والمقابر، وهو ما أبرزته الدراسة من خلال نموذجي القيروان وفاس، اللتين عرفتا حياة اجتماعية ترفية، تعكسها التأثيرات الفنية الحجازية، حيث شكلت الجواري الحجازيات جزءا من المعيش اليومي لبعض المغاربة والأندلسيين؛ إذ أسهم وجودهن في نشر التعليم الموسيقي ببلاد المغرب والأندلس، قبل أن يترسخ ذلك التأثير مع زرياب، وظهور الأنواع الموسيقية المشرقية المنشأ.
وأما النتائج الثقافية والروحية فتمثلت في سيادة المذهب المالكي ودفاع أهل الغرب الإسلامي عنه ضد المذاهب الأخرى.
- وارتباطا بسيادة المذهب المالكي، كان للطرق التعليمية دور في التواصل الثقافي بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز، والمتمثلة في "السماع" و"العرض" و"الإجازة" و"المكاتبة" و"المناولة"، وكانت غاية أهل الغرب الإسلامي منها طلب العلو في الإسناد، بما يفهم معه أهمية علوم الحديث على رأس التخصصات العلمية التي أفرزتها الرحلة العلمية المتبادلة بين الغرب الإسلامي والحجاز.
ومن مظاهر نتائج الصلات الثقافية المغربية- الحجازية أيضا، ازدهار التأليف وانتقال الكتب والعلوم بين المجتمعين، وخاصة ما تعلق بالمذهب المالكي، من قبيل الاعتناء بالموطأ، وتعدد رواياته المغربية، وشروحه، وبروز ظاهرة المختصرات. دون أن تغفل الدراسة أهمية العلوم الأخرى في التأثير الثقافي المتبادل بين الغرب الإسلامي وبلاد الحجاز، مثل علم الفلاحة الطب والصيدلة.
كما أن من آثار رسوخ المذهب المالكي استناد القضاء والفتيا إلى المذهب المالكي، وما اتسما به من مرونة في الأحكام والفتاوى، أعطت للعادة والعرف أهمية، كما يتضح من "عمل القيروان" و"عمل قرطبة" و"العمل الفاسي" على غرار "عمل أهل المدينة" بالحجاز.
ومما توصلت إليه الدراسة أهمية التكوين العلمي المالكي في تولي المغاربة والأندلسيين المناصب والوظائف، كالتدريس، والقضاء، والإفتاء.
- أن الكرامة الصوفية بالغرب الإسلامي شكلت، حسب نتائج الدراسة، جسرا للتواصل الروحي بينه وبين بلاد الحجاز؛ ومن ثم كان الكشف عن أهمية الأماكن المقدسة بمكة المكرمة والمدينة المنورة في وجدان المغاربة والأندلسيين، ودور المتصوفة في ذلك التواصل، سواء من خلال الاتصال بأولياء الحجاز، أو تشجيع الفقراء على الحج، أو إقامة بعض المغاربة للربط بمكة والمدينة المنورة، والاندماج الاجتماعي والثقافي بالمجتمع الحجازي.
والمتصفح للإطروحة لا بد وأن تثيره إشكاليتها ونتائجها وراهنيتها؛ فبخصوص هذه الأخيرة فالدراسة تبرز جزءا من الذاكرة العميقة للعلاقات المغربية الخليجية القوية في الوقت الحالي، وما تتميز به من استمرار وتجذر. أما فيما يتعلق ببعض الاستنتاجات فقد لا نتفق مع إطلاقية مقولة "سيولة التاريخ الإسلامي"، التي قد تنطبق على الجانب السياسي، إلا أنها لا تصدق على الجوانب الحضارية الأخرى، كعلم الفقه الذي خالف فيه المغاربة والأندلسيون الإمام مالك، وعلم الطب والصيدلة والفلاحة التي ما فتئنا ندافع عن القطيعة الإبيستيمولوجية التي حققتها العلوم الطبيعية بالغرب الإسلامي عن نظيرتها بالمشرق.
كما أن حصر الفترة الزمنية في القرن 6هـ/12م هو تحديد إجرائي لأن الصلات المغربية المشرقية عموما ستدخل منعطفا مغايرا ابتداء من القرن 7هـ/13م بحكم تغير الخريطة السياسية مشرقا ومغربا، حيث ستزداد المشاريع السياسية بالغرب الإسلامي الناحية نحو تثبيت شرعية الحكم، وتنافست في هذا الصدد الدولة المرينية والحفصية والمماليك لبسط النفوذ السياسي والروحي على الحرمين الشرفين، في ظل سقوط بغداد في يد المغول. ومن ثم تبدلت الآليات الموظفة من قبل الدول المغربية لربط صلاتها مع المشرق؛ فظهرت مؤسسات التصوف والمدارس المالكية وركب الحاج الفاسي والشرف. وعليه فإن معالم الدراسة الأكاديمية لموضوع الصلات المغربية المشرقية لن تتم إلا باستكمال دراسة ما بعد القرن 6هـ/12م.
ما يحسب للأطروحة أنها غيرت بعض الملامح التقليدية لمفهوم التاريخ؛ فالمطلع عليها يكتشف التاريخ وقد تحول إلى الحضارة بكل مظاهرها العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ولذلك جاءت العوامل التارخية متداخلة ومندمجة في نسق بنيوي ومتكامل، وقائم على متون مصدرية غنية ومتنوعة، ترسخ المفهوم الجديد للتاريخ في مدرسة البحث والتكوين بالمغرب.
Comments
أضف جديد
عبد العزيز بلبكري   |2012-01-08 16:16:47
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد الأمين.
وبعد، انها لمناسبة طيبةللاشادة بهذا العمل الأكاديمي الرصين عن الاعلاقات المغربية- المشرقية خلال العصر الوسيط.
ومن خلال الورقة المقدمة اعلاه تبدو مسألة القطيعة في الدراسات المعاصرة عن العلاقات المغربية- المشرقية غير واردة، وهي بالتالي تكرس حالة الاستمرارية في هذه العلاقات المستمرة في الزمان والمكان بين الجناحين من العالم الاسلامي.
وقد كرست كتب الرحلات هذه العلاقات التاريخية وأكدت دور المغاربة فصار جانب من تاريخ الحجاز وغيره لا يمكن تعميقه الا من خلال كتب الرحلات المغربية على
امتدادالزمن والمجال الحجازيين خاصة، وما الرحلة العياشية( 1073-1074ه) أو رحلة محمد بن الطيب الشرقي(1139- 1140ه) أو رحلة أحمد بن عبد القادر القادري(1100-1101ه) أو رحلة محمد بن صالح الادريسي الدرعي (1076ه)أو عبد الهادي المدغري السجلماسي (1200ه)... الا نماذج قليلة عن مضامين وجوانب هذه العلاقات التاريخية خلال العصر الحديث...
السعيد حكيمي  - الجزائر   |2011-07-02 02:35:56
لقد تجاوز بن حمادة القطيعة التي روج لهابعض المفكرية لمآرب ضيقة الى تأكيد التفاعل الحضاري بحكم تداخل المجال والمقدس, وهذا لايعن عدم وقوعه في فخ الأيديولوجية ,فالبنية اللاشعورية أقوى من الفاعل ويمكن أن تحددمصيره البحثي.
بالمناسبةأنا باحث جزائري في بداية التكوين , معجب كثيرا بأعمال المغاربة,الرجاء الاتصال على هذا العنوان قصد التعارف والتبادلhmess37@yahoo.fr
عبد الرزاق السعيدي  - errachidia   |2010-06-18 00:16:01
عمل قيم يستحق التقدير بلغ تحياتي للأخ الاصغر محمدبنحمادة
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

تاريخ آخر تحديث ( الثلاثاء, 01 يونيو/حزيران 2010 12:38 )
 
جديد المقالات