|
|||
| الممارسة النقدية لا تقدم مشروعاً إصلاحياً/ وليد الهويريني |
|
تُعدّ الحركة النقدية في كل مجالات النظم المعاصرة إحدى أهم وسائل التغيير والإصلاح, وتنخرط العديد من المؤسسات من فضائيات وصحف ومراكز بحوث في تقديم رؤى نقدية تهدف في مجملها لتلافي السلبيات والأخطاء في المجالات المختلفة للدول والتيارات والثقافات؛ رغبة في الوصول بالمجتمع إلى أكمل صورة ممكنة من الرخاء الاقتصادي، والتمكين الثقافي والسياسي، والاستقرار الاجتماعي. وربما كانت مهمة الناقدين في الغرب أسهل من نظرائهم في العالم العربي، وذلك لوجود أرضية مشتركة بين النظم والشعوب؛ فليست ثمة مقاعد محجوزة في أي مربع لدى الطرفين, ولهذا تكون الركائز المتفق عليها أكبر؛ فيسهل حصر نقاط الخلاف وإيجاد بيئة صحية بين أربابه، وبالتالي وضع آلية في كيفية ترجمة أحد هذه الآراء لإجراءات عملية.
إن الإسلام تجاوز في هذه الرؤية الإصلاحية إعطاء أفراده- لا سيما أهل العلم والرأي فيه- "حق النقد" لكل الممارسات الخاطئة التي تخالف دستوره، إلى جعلها "أمراً واجباً" يلزم من رآه أن يقوم بإصلاحه، وذلك وفق نظرة متوازنة تحقق أكبر المصالح، وتدفع أكبر المفاسد. عندما تحاكمت معظم النظم العربية إلى غير شريعة ربها، أثمر هذا وجود كيانات ومؤسسات سياسية وثقافية واجتماعية، تقدم للمجتمع ركاماً هائلاً مخالفاً لضروريات الإسلام وثوابت شريعته, وعند ذلك نفر الدعاة والعلماء والمثقفون الغيارى لتحذير الناس وتنبيههم من هذا "النتاج" السيئ لتلك المؤسسات, فاستجاب جمهور الأمة لهم وانجفل الناس للخيار الإسلامي ردحاً من الزمن، ثم بعد ذلك حار الناس في كيفية ملء الفراغ الحياتي الذي كانت تملؤه مخرجات تلك المؤسسات، فازدادت حيرة الناس واضطرابهم في ظل "غياب البديل المشروع" بين حياة إيمانية رفيعة المستوى لا يطيقها أكثرهم, وبين العودة مرة أخرى إلى حظائر "النتاج السيئ". إن الاحتساب على هذا النتاج السيئ يُعدّ واجباً شرعياً لا غبار عليه, ولكن ينبغي أن يستحضر الإسلاميون جيداً-ونحن نعيش في زمن ثورة الاتصالات- أن الاكتفاء بنقد إنتاج آخرين وإن كان مطلوباً أحياناً، إلاّ أنه لا يمكن أن يضطلع "وحده" بأي عملية إصلاحية متكاملة تنهض بالناس من درك الشهوات إلى سمو الطاعات, ومن ثقافة القطيع إلى ثقافة المبادرة والريادة. إن الخطأ الاستراتيجي القاتل الذي قد يقع فيه أي تيار دعوي يريد أن يقدم مشروعاً للناس أن يكون نتاجه "أسفاراً ضخمة" في نقد مشاريع الآخرين، مع خلو أجندته ومدرسته الشرعية والفكرية من حلول واقعية وبدائل شرعية, فلا يكفي في الجانب السياسي - مثلاً - أن ننتقد "أسلمة" بعض المفكرين غير الموفقة للفكرة الديموقراطية، من دون أن يكون لديك أي رؤية لشكل النظام السياسي الذي يتلافى السلبيات التي انتقدتها, مع موافقتها لحاجات الناس في هذا العصر, وفي الجانب الإعلامي لا يكفي نقد نتاج بعض المحافظين من برامج ومسلسلات، بينما تخلو أجندتنا من أدنى رؤية لكيفية تقديم بديل محافظ للترفيه الساقط الذي تغلغل في المجتمع, ولا يكفي أن تنتقد منهجية بعض الصحف في معالجة هموم رجل الشارع، بينما تخلو مواقعنا وبرامجنا لأي معالجة حقيقية لشؤون المواطن الحياتية الماسّة, فالناس ستقرأ لمن يحاكي همومها، ويتألم لجراحاتها، ولو كانت نائحة مستأجرة. هذه الطريقة في الدعوة والإصلاح لا تثمر إلاّ جهوداً مبعثرة لها دوي اجتماعي ووهج إعلامي وأثر وقتي، ولكن سرعان ما تنطفئ عند هبوب رياح الاستبداد, أو تطمرها أتربة الشهوات والمصالح الشخصية, أو تُشرذمها وتمزقها ضبابية الرؤية المستقبلية لهذا الوهج الإصلاحي!! بعض الفضلاء يقول إنه لا يحق لنا أن نلزم أي شخص إذا انتقد انحرافاً أو منكراً أن يقدم البديل, فيُقال: نعم, هذا لا يلزم إن كنا نتكلم على مستوى الأفراد، بل إن هذا غير ممكن في كثير من الأحيان لتعدّد مجالات الحياة وتشعّبها, وأما على مستوى الجماعات والحركات والتيارات التي تستهدف إصلاحاً شاملاً للمجتمع فهذا أمر لا مفر منه. إن جزءاً من المأزق الذي يعانيه بعض الأخيار والغيارى ناجم عن قراءة غير دقيقة لواقع المجتمعات العربية بعد ثورة الاتصالات والفضائيات,؛ فالاستقرار الفكري الذي نعمت به بعض المجتمعات المحافظة نتيجة لتوحّد مراكز التأثير العلمي والشرعي, ورسوخ حصيلة ثقافية شعبية محافظة في الجملة على تدينها وتقاليدها, لم تعد اليوم موجودة بنفس الزخم السابق كمّاً وكيفاً, وقد شهدت تلك المجتمعات خلال العقد الأخير تغيرات كبرى, وتحوّلات نوعيّة, لم تجعل ممارسة النقد هي الوسيلة الكافية في وقاية المجتمع من الاتجاهات المنحرفة, وذلك لسبب بديهي أن سفينة تلك الحصيلة المحافظة والاستقرار الفكري والاجتماعي على الصعيد الشعبي قد أصابتها الكثير من الثقوب, ومهمة الدعاة والإسلاميين عموماً تتطلب تقديم مشروع إصلاحي يحافظ على هوية المجتمع وثقافته مع موائمتها لتغيرات العصر التي شهدها المجتمع على أكثر من صعيد, ولهذا يعاني بعض الغيارى من انكماش الناس عن أطروحاتهم النقدية لمشاريع الآخرين، وهذا ليس راجعاً بالضرورة إلى خطئهم في نقد تلك المشاريع، وإنما مردّه إلى عاملين: الأول: أن صاحب الأطروحة النقدية لا يقدم مشروعاً معاصراً بديلاً للمشروع أو المنتج المنتقَد. الثاني: أن صاحب الأطروحة يطالب المجتمع بالعودة إلى فترة زمنية سابقة، وهي فترة ما قبل العولمة, وغير ذلك مما لا يمكن ترحيله لوقتنا المعاصر, فهو مطلب غير واقعي, وهذا مما يعزز شعور عامة الناس بعجز الناقد عن تقديم مشروع يمكن السير في ركابه, والمحصلة نزيف حاد في صفوف الناقدين لصالح أصحاب المشاريع القائمة مع ما لدى أصحاب تلك المشاريع من أخطاء وثغرات؛ فالناس لا تجد سوى هذا الخيار للسير في حياتها مشبعةً حاجتها الطبيعية إلى التدين والأجواء الإيمانية. لقد قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، ولدى أهلها عادة سنوية يشبعون فيها حاجتهم الطبيعية إلى الفرح والسرور، والاحتفال كحال غيرهم من الناس, فلم يكتف الهادي البشير بحظر ذلك العيد الجاهلي وبيان أخطاره على الهوية, وإنما أشبع حاجتهم إلى الفرح والحبور واللعب بيومي الفطر والأضحى في إطار شرعي فريد، يجمع بين إشباع حاجتهم للفرح واللعب وبين ترسيخ الانتماء لشريعة الإسلام, وهذا هو لب الرسالة الدعوية الكبرى التي يبعثها أصحاب المبادرات والمشاريع لعموم الناس، والتي مفادها: إن بإمكانكم أن تشبعوا حاجتكم إلى التعليم والتحديث والترفيه والإبداع في إطار شرعي إيماني يعزز الانتماء للهوية الإسلامية، ويرسخ جذورها في النفوس, وينشأ في ظلالها الصغير والكبير, والعالم والمتعلم, وسائر الناس. الإسلام الي
3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved." |
|||||
| تاريخ آخر تحديث ( الجمعة, 27 نونبر/تشرين ثان 2009 20:12 ) |
| جديد المقالات |











