|
|
البعـــد الإنســـاني في المنظـــومة الحقـــوقية الإسلامــية / د.سيدي محمد الوردي |
|

يحظى موضوع حقوق الانسان باهتمام كبير ومتزايد سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، وتتعدد التصورات والرؤى تبعا لتباين الأسس، واختلاف المنطلقات التي على ضوئها تتم معالجة مختلف الحيثيات المرتبطة بهذه القضية الحيوية .
وإن مما يثير الاستغراب حقا، وجود بعض " دعاة" حقوق الانسان الذين ينطلقون من هذا الشعار لإضفاء طابع المشروعية على تصرفاتهم اللاإنسانية، والقائمة على الظلم والقهر والاستغلال، استغلال الإنسان وحرمانه من أبسط حقوقه، والتشكيك في مقدساته، والتدخل في عقيدته، وممارسة الوصاية والحجر عليه حتى في طريقة تفكيره، ومنهج حياته، فباسم حقوق الإنسان تشن حروب الإبادة، وتمارس جرائم التعذيب والتقتيل، وتطبق خطط التجويع والتشريد، وتنتهك الأعراض، وتستباح الحرمات، وتعدل الثوابت والأصول، فيصبح كل شيء قابلا للمراجعة والتغيير، والإزاحة والتبديل.
فما أكثر الحناجر التي تهتف بشعارات حقوق الإنسان، و تزعم أنها الحامية لها في كل زمان ومكان، لكن بالمقابل من ذلك، قليلة هي النوايا الصادقة، والأيادي النظيفة التي تسعى جاهدة لتمثل تلك الحقوق، وتنزيلها بشكل صادق على أرض الواقع. من ثمة إذن أصبح العديد من المهتمين ينادون ويتساءلون عن أي حقوق نتحدث؟ وأي إنسان نقصد؟ فتمثة بون شاسع بين شعارات فضفاضة وبراقة، وبين واقع مؤلم حزين يغوص في تناقضات كثيرة، ويئن من ويلات الظلم والعنصرية، ومن تبعات التفاوت الصارخ بين فئات المجتمع ككل ، بل وبين عالم يلقي بمخزون ضخم من الثروات والمنتجات في البحار والمحيطات خشية التضخم ، وبين عالم يعاني من سوء التغذية، ومن استنزاف كامل لثرواته ، ولا يكاد يملك أي شيء، فهو يتنفس الصعداء خشية الموت جوعا.
نعم في ظل هذا التناقض المهول، وتلك الهوة السحيقة، تسعى جهات من الغرب إلى تمرير نظرياتها، وإضفاء طابع العولمة عليها، لتوهم الجميع أن الغرب هو الممثل الوحيد لحمل لواء حقوق الانسان، وأنه المدافع عنه، وأنه المرجع الذي يحتكم إليه، والمصدر الذي يعتمد عليه. وفي نفس الوقت يتم استبعاد الإسلام وقيمه الحضارية وأصوله الشرعية من نطاق حقوق الإنسان، وتجاهل خصوصيات المنظومة الحقوقية الاسلامية بشكل عام. من هذا المنطلق إذن تأتي أهمية دراسة موضوع حقوق الانسان في بعده الإنساني، والوقوف على مميزات التشريع الاسلامي في هذا الاطار.
ـ خصائص المنظومة الحقوقية الاسلامية:
قبل الحديث عن البعد الانساني في المنظومة الحقوقية الإسلامية، لا بأس من الإشارة إلى أن حقوق الإنسان في الإسلام تتميز بمجموعة من الخصائص والمميزات التي تبرز خصوصية التشريع الاسلامي في هذا المجال. فالشريعة الإسلامية تعتبر هذه الحقوق فرائض وواجبات شرعية، وليست منحة بشرية، فمصدرها القران الكريم والسنة النبوية، لذلك فهي غير قابلة للتنازل أو الإسقاط أو النسخ، بل هي ثابتة وأصيلة تنبثق من العقيدة الاسلامية. ومن جانب آخر فهذه الحقوق تتميز أيضا بصفة الشمولية، لأنها مرتبطة بمصالح الإنسان، ومحيطة بمختلف جوانب حياته، سواء العقدية منها أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو التربوية الخ. فهي عامة لكل الناس بغض النظر عن اللون أو الجنس أو اللغة أو العرق. وأخبرا تتسم هذه الحقوق بكونها مرتبطة في عملية التأصيل والتفعيل بضوابط الشريعة، ومقاصدها لذلك فهي غير مطلقة .
ومن أجل ضمان تطبيق هذه الحقوق على الوجه الصحيح، والحيلولة دون انتهاكها، أحاطها الإسلام بسياج من الضمانات العقدية والتربوية والتشريعية. ويعتبر الوازع الديني أول معيار يعتمد في هذا الاطار، وذلك من خلال استحظار الرقابة الالهية، والتي تعدل مرتبة الإحسان التي وضحها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله "الإحسان أن تعبد الله كانك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك." كما شرع الإسلام مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي بفضله تصان الحقوق، وتدرأ المفاسد، فيسود العدل والحق وتعم العفة والفضيلة، ويوضع حد لمظاهر الظلم، وألوان الجور والفساد. يقول تعالى في محكم كتابه " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون." (ال عمران ، 104). كما شرع الإسلام أيضا عقوبات زجرية رادعة على كل من اعتدى على حق من حقوق الإنسان. وتشمل هذه العقوبات جانب الحدود والتعازير. يقول الدكتور جمعة علي الخولي: " إن الإسلام منهج حياة متكامل، لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة للناس، وإنما يعمل على الوقاية من الجريمة، وتهذيب النفس والسلوك، وتوفير كل أسباب الحياة الكريمة لكل الناس. فمن ارتضى هذه الاسباب واتخذها منهج حياة ، ارتقى وعز بالإسلام، ومن هجر هذه الأسباب ونفر منها، وسعى في الأرض فسادا، فهو كمن يتمرغ في الوحل مختارا، وحق للإسلام أن ينزل به عقابه."(فقه الدعوة.ص:251)
ـ تجليات البعد الانساني في المنظومة الحقوقية الاسلامية:
يشكل البعد الانساني مقصدا من المقاصد الاساسية الذي تسعى المنظومة الحقوقية لتحقيقه. فهي ترتبط بالانسان في كيانه ككل، وتخاطب فيه جانب الروح والجسد، وتروم تحقيق الخير والسعادة له في دنياه واخراه ، وذلك من خلال ماتتضمنه من قيم واحكام تقوم في جوهرها على تحريم الخبائث ومختلف الرذائل ، وبالمقابل تحل الطيبات، وتدعو الى التمسك بالفضائل مراعاة لمعاني الحق والعدل والتسامح والكرامة الحقة ، والمساواة الصادقة. قال تعالى :"إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" (النحل،90). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع :"يا أيها الناس إن ربكم واحد، وأن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى."
ومن النماذج التي تعكس البعد الانساني في المنظومة الحقوقية الاسلامية وخصوصياتها التشريعية مايلي:
ـ حق الكرامة: المقصود بالكرامة في أبسط معانيها شعور الانسان بآدميته، وحفظ إنسانيته عن الامتهان والذل. وقد أثبت القرآن الكريم مسالة تكريم الإنسان في ما يقرب من عشرين موضعا. فالله تعالى كرم الإنسان حق التكريم، حيث نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وخلقه في أحسن تقويم، وعلمه الأسماء، وجعله خليفة في الأرض، ومكنه من الانتفاع بخيرات الكون، وأنعم عليه بنعم لا تعد ولا تحصى، فقد شق له السمع والبصر، ووهبه الفؤاد حتى يتمكن من تنظيم شؤون الحياة واكتشاف حقائق الكون، وأداء الأمانة على الوجه الصحيح. وكل هذه الحقائق مؤكدة بنصوص شرعية وهي :
قوله تعالى:" ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا." (الاسراء،70). وقوله تعالى :"إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين." (ص، 71 ـ 72). وقوله أيضا:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم."( التين،4). وقوله عز وجل:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين."(البقرة،30ـ31).
ـ حق الحياة: هو حق أسمى، على أساسه تتوقف بقية الحقوق. من أجل ذلك ركز عليه التشريع الاسلامي، وأحاطه بسياج من الظوابط والأحكام من أهمها : تحريم القتل والانتحار والإجهاض، بل والأكثر من ذلك اعتبار الاعتداء على النفس البشرية من خلال عملية القتل بمثابة قتل للناس جميعا، وهو ما يتبين من خلال قوله تعالى:" من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا." ( المائدة ،32).ومما يعكس أيضا البعد الإنساني بخصوص حق الحياة، تشريع الإسلام لمجموعة من الرخص الشرعية في إطار المحافظة على النفس البشرية، من ذلك على سبيل المثال الترخيص للمرأة الحامل والمرضع بالإفطار في رمضان في حالة المشقة حفاظا على حياة الجنين وكذا الرضيع، ثم الترخيص أيضا للمضطر بأكل الميتة، أو شرب الخمر لمن غص بالطعام فلم يجد مايزيل به غصته وذلك حفاظا على النفس من الهلاك المحقق.
ـ حق الاعتقاد والتفكير السليم: فمن أهم حقوق الإنسان، أن يتمتع الإنسان بحرية الاعتقاد بعيدا عن كل مظاهر الإكراه اوالاجبار. وهذه الحقيقة نص عليها القرآن حيث قال عز وجل:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي." (البقرة ، 256). بالإضافة لا بد أن يتحرر العقل من سلطة التقليد والخضوع لأهواء النفس، وفي هذا السياق ذم الإسلام التقليد فقال تعالى:"وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم الى عذاب السعير."(لقمان،21).اذن فهذه النصوص الشرعية تحرص بالأساس على استرداد إنسانية الإنسان، وذلك بإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان الوضعية والقوانين البشرية إلى عدل ورحمة الاسلام.. وكم هو ممتع حقا أن يمارس الإنسان حريته، ويشعر بإنسانيته في ظل عبوديته لله عزوجل، فهي تنطلق من فطرته السليمة، وتنبثق من كيانه المرتبط به فيشعر بحلاوة الإيمان، ويشكر عند السراء ويصبر عند الضراء. قال تعالى:" فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون."( الروم،30).
ـ حقوق ذات طابع اجتماعي واقتصادي: لقد كفل التشريع الحقوقي الاسلامي حقوق فئات مختلفة من المجتمع، وذلك من خلال سنه جملة من الضوابط والمبادىء التي تنظم سلوكيات الانسان ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي. ومن ذلك على سبيل المثال تشريع مبدأ الحجر على السفيه والصغير والمجنون، حماية لأموالهم ومراعاة لمصالحهم. قال تعالى:"ولاتؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما."(النساء،5).كما حث الإسلام على الإحسان إلى اليتيم والرفق به، قال صلى الله عليه وسلم:"أنا وكافل اليتيم في الجنة وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى". وفي الوقت ذاته أكد القرآن الكريم على مساعدة اليتيم في تدبير شؤونه المالية وإرشاده وتوجيهه حتى يكون في مستوى التصرف الصحيح ، قال تعالى:" وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا"( النساء، 8).
ويعتبر التكافل الاجتماعي من التشريعات الإسلامية التي تتجسد من خلالها معاني الأخوة الإنسانية على مستوى العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع. فالتكافل الاجتماعي هو تعبير واقعي عن مظاهر الأخوة والتضامن بين الأفراد، وهو أيضا إحساس داخلي يعيش في نفس الفرد يستشعر به أن عليه مسؤوليات كبيرة وواجبات تجاه المجتمع، ومن ثمة فهو يعتبر فريضة من الفرائض الكفائية، وليس مجرد مشاركة إنسانية، أو تعاطف وجداني فقط. يقول تعالى:"يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم." (البقرة،215).ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" أي رجل مات ضياعا بين أغنياء، فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله."
والإسلام في إطار تقريره للكرامة الإنسانية، ومراعاته لمختلف الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، اهتم أيضا بغير المسلمين كأهل الذمة مثلا. ويكفي أن نستدل في هذا الاطار بموقفين أساسيين: الأول للفاروق عمر بن الخطاب، والثاني للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. فقد ذكر القاضي ابو يوسف في كتابه الخراج أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بباب قوم وعليه سائل يسأل ـ شيخ كبير ضرير البصرـ فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله...ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال:انظر هذا وضرباءه فوالله ما انصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. أما الخليفة عمر بن عبد العزيز فقد كتب إلى عامله على البصرة عدي بن أرطأة:" ...وانظر من قبلك من أهل الذمة من قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب ، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه."
وخلاصة القول، إن التشريع الحقوقي الإسلامي، و كذا المواقف المشرقة التي تزخر بها الحضارة الاسلامية عبر التاريخ، كل ذلك يعكس أهمية الإسلام ودوره في التأصيل الصحيح والتفعيل العملي لحقوق الإنسان بمفهومها الشمولي والواقعي.
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الإثنين, 11 أكتوبر/تشرين أول 2010 12:31 )
|