|
|
عندما أرادت مرافقتي /عصام زروق |

أفقت على صوت صفعة مدوية تلقاها السائق من راكب في الحافلة، ونشب شجار بين أخذ ورد؛ لكمات وصفعات، أصوات تتعالى بالسب والشتم، وانتفض كل من في الحافلة هذا يدفع وهذا يشد الضارب، وذاك يُعين المضروب، وأخرى تُولول تطلب من ركاب الحافلة التدخل لفك الشجار، كنت عائدا من عملي بعد يوم روتيني قاتل، أداعب أجفاني وأمَنّيها بوسادة وسرير حال وصولي إلى البيت.
ا
نتهى الشجار بعيون زرقاء لكلا الطرفين، أي بالتعادل السلبي !، تفرق الجمع وكل ولى الدبر، وعادت الموسيقى الصاخبة ودندنات الراكبين وثرثراتهم كما لو أنه لم يكن شيئ قبل قليل.. هذا هو المشهد في كل يوم، فعلى كل حافلة يمكنك أن تتعرف على قاع التخلف الحضاري للمجتمع، فلا تحتاج إلى دراسات أو أبحاث لأمية الأخلاق وانعدامها، فيكفي أن تجلس ساكتا وتراقب سلوكيات المواطنين وطريقة تصرفهم مع أي شيئ يسمى: المُلك العام.
وصلتِ الحافلة ولشدة اللكمة التي تلقاها السائق، وانتفاخ عينيه زاد عن مكان المحطة أكثر من خمسة أمتار !!. ليسمع السب والشتم مرة أخرى من الركاب النازلين !.
نزلت منها وأنا أتمايل كمخمور يبحث عن سرير ليلقي فيه جسده الهزيل والمنهك، بعد لحظات تنبهت إلى خيال مرافق لخيالي من الوراء، أميل يمينا فيميل يمينا، أميل يسارا فيميل بميلي، أسرع في خطواتي فيسرع معي، اعتقدت في أول الأمر أنه سارق، لكن الخيال لجسد أنثوي أكثر ما يكون لسارق كبير الجثة. فأسرعت الخطوات أكثر، فلحقني الخيال، حتى سمعت صوتا رقيقا يناديني من الخلف:
*سيدي أسيدي... الله يخليك أسيدي !!!
توقفتُ والتفتُ إلى الوراء، فإذا هي فتاة في عقدها الثاني تركض نحوي، شقراء، قصيرة القامة، ليست بالجميلة التي تنسيك أنك على كوكب الأرض وليست بالبشعة التي لا تعتقد إلا أنك ترى ضحية حادثة سير !!. بعبارة أخرى (كسيدة !).
بادرتها بالسلام قولا، فردت علي السلام فعلا، ومدت يدها للسلام، وقطعت السلام بأدب وقلت لها:
-نعام أختي، ياك لباس ؟
*هل يمكنني السير بجانبك ؟
جمعت ريقي مستدركا :
- كيف ؟
*أنا لوحدي ولدي حاسوب محمول، والوقت ليل، وأخاف أن يعترضني شخص ما ! .
- عفوا الخلق كثير، لم أنا بالضبط ؟ بعبارة أخرى (ما بنت ليك غير أنا ؟ )
*باينة فيك ولد الناس !! بعبارة أخرى (............ !!!)
لم أعتقد أنني وضعت يوما في ظهري جناحان بيضاوان وسهما وقوسا !!! لم أجد بما أرد، واستغربت لهذا الاختيار، فوجنتاي الناتئتان، وجسدي النحيل، وعيناي الغائرتان والذابلتان، لا تلقي في نفسي إحساسا بالوسامة الزائدة التي تخرجني عن طبيعتي لأتزيد في رجولتي حتى تكون نقصا فيها !! رميت عيني إلى حاسوبها، أظن أنه كان بوزنها تقريبا، أو يزيد لأنها تحمله بكلتا يديها !! أشفقت عليها فسألتها:
- أين سكناك ؟
* قرب الغابة !
ازدردت ريقي في حلقي، الغابة؟ !، الطريق طويلة حتى تلك المنطقة، وهي طريق مشبوهة ! لم أستطع رفض طلبها أو الاعتذار، وبلباقة قلت لها: لا مشكلة تفضلي، وأشرت لها بيدي للمسير.
انطلقت خطواتنا في صمت، مررنا من الشارع الرئيسي، ونحن صامتان، لي أكثر من عشر سنوات أمر من هذا الشارع لم أنتبه إلى أنه مكتظ بالناس حتى هذه اللحظة !!، كان الضغط على نفسي رهيبا، فهذه أول مرة أرافق فتاة لا أعرفها وليس لي علم في أصول معاملة الفتيات، وتساءلت في نفسي ماذا لو التقاني أحد أصدقائي أو معارفي، ماذا سأقول لهم: صديقتي؟ ! أو أحد أقاربي، أو تائهة وجدتها في الطريق ؟ !. وكلت أمري إلى الله ودعوته أن يخرج "هاد الحصلة" على خير ؟ !.
سمعتُ أنفاسها تتقطع وكأنها في سباق، فانتبهتُ إلى أن خطواتي تُعادل من خطواتها ثلاث مرات، التفت إليها في شيئ من الاعتذار:
- هل أسرع في خطواتي، أظنني أتعبتك ؟
* ردت وهي تجمع أنفاسها بصعوبة: لا ليس كثيرا !! (بعبارة أخرى: مالنا مْسَخرِينِْ لَلقايَدْ؟؟).
عاد الصمت ليطبق على خطواتنا، شعرت بضيق شديد، وارتباك في فتح حوار حتى أكسر هذا الصمت، فحجتها لم تكن لتنطلي علي بهذه السهولة، الطريق ملئى بالمارين فلا خوف من اعتراض سارق في هذا المكان، وكان الأولى أن ترافق امرأة لا رجلا، وحتى إن لم تجد يمكنها أن تطلب من رجل في الخمسين أو الستين لا شابا في العشرين، لكنني لم أجد بدا من الصمت، لسبب غير مفهوم لي.
فقطعتْ صمتنا بسؤالها: شْنُو هُو إسمك ؟
توقعت هذا السؤال، فرددت عليها وأنا اتحاشا المارين دون أن أنظر إليها: عصام.
فسمعت صوت ضحكة مخنوقة حبستها شفتاها من الانفجار ثم وضعت يدها اليمنى على فمها مخافة أن ينفجر فمها بالضحك.
ياك لباس، لا أظن أنني قلت بأن اسمي " محمد الخياري" ؟ !!.(بعبارة أخرى : ما قُلتَشْ شِي نُكْتة باسْلة ؟)
لا ابدا والله، ولكن كل العاملين في الحافلات ينادون بعضهم البعض باسم عصام !!.
كيف ؟؟
سائق الحافلة، العامل، المراقبون، كلهم ينادون بعضهم البعض بهذا الاسم !!
فعلا انتبهت لسائق الحافلة عندما كان يأخذ اللكمات، كان أحد الركاب يصرخ عليه : اعطيه أعصام زيد لمو أعصام !!. فحمدت الله أنني لست أنا المعني !
فانفجرت بالضحك، حتى توقفت لتجمع أنفاسها من ضحكها.
سألتها وأنا أنظر إلى الطريق: لماذا وقع اختيارك علي ؟ ألا تخافين أن ترافقي شخصا لا تعرفينه ؟ خاصة وأن الليل أسدل ستاره !
ردت وكأنها واثقة من اختيارها: عندما كنا على الحافلة، رن هاتفك على صوت الأذان، هذه واحدة، وانتبهت لحديثك اللبق مع المخاطب وطريقة كلامك هذه ثانية.
-والثالثة ؟
*قيامك عندما دخلت امرأة تحمل طفلا في يديها وأعطيتها مكانك .
-والرابعة ؟
لا توجد رابعة ! (بعبارة أخرى : باركة عليك ! )
قلت لها في استغراب ساذج : وأين كنت حينما راقبتني ؟
*كنت في المقعد الذي خلفك
-لم انتبه.. ( بعبارة أخرى: وَلَيْنّي راك حَضّايَة !!)
قالت ببرودة: لم يكن اختياري عشوائيا، وعلى الإنسان أن يعرف كيف يحدد اختياراته
- إذا علي أن أحتاط هذه المرة !
ضحكت ولم تعقب.
عُدنا نلملم خطواتنا في ضجيج الباعة والسيارات، فالباعة احتلوا كل الطريق العام وصوت الشجارات مع السائقين يمتد إلى آخر الشارع، لكن الصمت عاد ليطبق على خطواتنا مرة أخرى .
هذه المرة اقتربت أكثر مني وقالت بلسانها المعجُون بكلمات مُفرنسة ولهجتها الفاسية المكسورة الهمزة : ماذا تفعل في الحياة ؟ بعبارة أخرى (أ ُولـّي شنو كدّير فْلافِي )
لم أستسغ سؤالها بصوتها المائع المائل المميل، أحسست بضجر كبير ورغبة في الهروب، أو الارتماء في سيارة تأخذني إلى مستشفى الأمراض النفسية ، لأنني أحسست بمرارة واكتئاب وضيق التنفس، وحتى الإسهال !!!
قلت لها في شيئ من الضجر: أعمل في الصحافة
*صحفي ؟
-الله ينجيني
*إذا ؟
-أنفوغرافيست –infographiste
*يعني عندها علاقة بالحاسوب
-نعم
قالت في شيئ من البلاهة: أنا أي شيئ أجد فيه كلمة "أنفو" أعلم أن لها علاقة بالحاسوب أو الإعلاميات.
قلت في شيئ من المداعبة : صحيح مثل أنفولوانزا الخنازير، لأنه فيروس ينتقل عبر الانترنت !!
لم تُعقب !!، بعبارة أخرى (تْقرصَاتْ)
سألتها مستدركا عندما رأيتُ خطواتها مائلة إلى الناحية التي تحمل الحاسوب: أعطني الحقيبة حتى أحملها عنك، أظن أنها ثقيلة عليك.
قالت بأدب : لا شكرا بارك الله فيك، (بعبارة أخرى: والله ما كْرَهْت !! )
أصررتُ على أخذ الحقيبة منها. وفي اللحظة التي أخذت منها الحقيبة باغتتني بسؤال مربك :
*لم تسألني عن اسمي ؟
آآ ... لم أجد بم أجيب، فهو سؤال محرج، وأظن أنني وضعت نفسي أصلا في موقف محرج، وما دخلي باسمها واسم عائلتها، فعلاقتي بها تتحدد في إيصالها بسلام إلى بيتها، أم أنها عائدة لتوها من مشاهدة فلم مكسيكي أو تركي تافه، يرسم في عقلها الفارغ قصة لم تكن لتحيى إلا في الأفلام الرخيصة.
ضاقت نفسي ولم أستطع الاحتمال أكثر، ولم يكن لي من بد إلا أن أنهي هذه المهزلة :
نظرتُ إليها بنصف عيني، في ابتسامة بسيطة قلت لها :
قبل أن أعرف اسمك، هل تعتقدين أن هذه الملاحظات التي وضعتها في اختياري كافية للحكم على الرجال ؟
*ربما
قلتُ في مكر: أعتقد أن أغلب الرجال كالحرباء، يتلونون فوق أي غصن لين يقعون عليه، لهذا عليك الحذر !! أليس كذلك ؟
قالت في خبث: لا تنسى أن الحرباء اسم مؤنث
قلت في هدوء: ومن كل خلقنا زوجين.
جمعت أنفاسها وكأنها تستعد للعبة شد الحبل، وقالت في شيئ من الحياء المصطنع:
*الأنثى أشد فراسة من الرجل في معرفة معادن الرجال فلا تخف.
-أضحكتني ومن قال لك أن الرجل عبارة عن معدن ؟ الرجل عبارة عن مرآة لا يعطيك إلا ما تشتهيه نفسك أن تريه منه.
*الأنثى تقرأ في عين الرجل ما لا يقرؤه هو في جسدها. فتصيب مقتله قبل أن يرفع عينيه إلى عقلها.
-نسيتي أن تضعي معقوفتين على الرجل، حتى أتبين أي الرجال تقصدين، فهناك الرجال وأشباه الرجال.
*الكل عندي في سلة واحدة
الرجل لا ينظر إلى جسد المرأة إلا عندما يكون عقلها فارغا، والمرأة الحرة عند الرجل، هي التي لا ترفع عينيها إلى عينيه لتصيب مقتله، لأن الرجل الحر سيكون مقتولا سلفا بحيائها.
قالت وهي تأخذ حقيبتها من يدي: شكرا. لقد وصلنا !!!. بعبارة أخرى (الرسالة وَصْلاتْ)
_______________________________________________________
قصة واقعية
|
|
تاريخ آخر تحديث ( الأربعاء, 22 دجنبر/كانون أول 2010 13:20 )
|